المبسوط الحج و العمره - القائني، الشيخ محمد - الصفحة ١٧ - كلمات العلماء في شأن الموضع الفعلي والموضع الأصلي للمقام
الكعبة؛ لأنّه يعرفه حقّ المعرفة؛ فلماذا يخرجه من موضعه وهو لم يؤمر بالصلاة خلفه، وإنّما حافظ عليه محافظة تامّة وكذلك أولاده من بعده.
(أمّا في الحالة الثانية) فإنّه لما مرّ على بناء إبراهيم عليه السلام للبيت نحو ألفي سنة تقريباً واشتهر أمر المقام ووجود أثر القدمين فيه وكثر الناس بمكّة وأطرافها، صار أهل الجاهليّة في شوق عظيم لرؤية هذا المقام المقدّس كما أنّ المسلمين اليوم في شديد الشوق لرؤيته وهو محجوب تحت الصندوق والستارة الكثيفة، فكانوا أحياناً يخرجونه من جوف الكعبة فيضعونه بلزقها عند الباب، أي في محل الحفرة الموجودة بالجانب الأيمن من الباب، فيشاهدونه جميعاً ويحترمونه أشدّ الاحترام؛ كيف لا؟! وهو التراث العربي المقدّس الباقي لهم من باني الكعبة الأوّل إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام؛ وأحياناً يرجعونه إلى جوف الكعبة أيضاً بحسب ما تقتضيه المصلحة وخوفاً عليه من السيول.
ولا يعقل أنّهم إذا أخرجوا المقام من جوف الكعبة أن يضعوه في محلّه بقرب زمزم؛ أي في آخر حدود المسجد الحرام في ذلك العهد قبل الإسلام، وما الداعي لإبعاده عن الكعبة؟! وهم لا يصلّون عنده؛ بل إنّهم لا يعرفون الصلاة وكيفيّتها؛ فعبادتهم كانت للأصنام، والأصنام بكثرة عند الكعبة وما حولها.
ومن المعجزات الباهرات أنّ أهل الجاهليّة مع عبادتهم للأوثان والأصنام بمختلف أنواعها، لم يسمع قط أنّهم عبدوا حجر المقام أو الحجر الأسود أو الكعبة؛ وهذا سرّ من الأسرار الدقيقة لا يخفى على العلماء