المبسوط الحج و العمره - القائني، الشيخ محمد - الصفحة ١٦ - كلمات العلماء في شأن الموضع الفعلي والموضع الأصلي للمقام
(أمّا في الحالة الاولى) فالذي نراه أنّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام بعد أن فرغ من بناء البيت وضعه إمّا داخل الكعبة- أي في الحفرة التي حفرها في بطنها على يمين الداخل وكان عمقها ثلاثة أذرع لتكون بمثابة الخزانة يوضع فيها ما يهدى للكعبة- وإمّا وضعه لزق الكعبة عند بابها؛ فلا يعقل أنّه وضعه في محلّه اليوم بقرب زمزم بعيداً عن الكعبة بمسافة أذرع بدون سبب؛ وأي سبب لذلك ولم يأمره اللَّه تعالى بالتوجّه إليه حين الصلاة كما أمر الامّة المحمّدية بذلك.
فإذا علمنا أنّ حجر المقام ياقوتة من يواقيت الجنّة كالحجر الأسود، وأنّ خليل اللَّه إبراهيم عليه الصلاة والسلام قام عليه حين بناء الكعبة، وقام عليه أيضاً حينما أذّن في الناس بالحجّ كما أمره اللَّه تعالى، وأنّ قدميه راسختان على هذا المقام وأنّه من الآيات البيّنات كما في صريح الآية.
علمنا أنّ إبراهيم لا يفرط في هذا المقام المكرّم ويبعده عن الكعبة إلى جهة زمزم؛ بل إنّه بعد أن انتهى من غرضه منه حفظه في الحفرة التي في باطن الكعبة- أي في الجبّ- ليبقى دهراً طويلًا حتّى يأتي نبيّ آخر الزمان سيّدنا محمّد صلى الله عليه و آله حيث يأمره اللَّه تعالى بالصلاة عنده. هكذا أطلع اللَّه تعالى خليله إبراهيم عليه السلام بعد أن بنى البيت ما سيكون في شأن المقام في آخر الزمان؛ وهكذا حفظ لنا إبراهيم مقامه الكريم المقدّس الذي فيه أثره الخالد كما أمره اللَّه تعالى؛ فإنّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يفعلون شيئاً في امور الدِّين إلّابوحي وإلهام من اللَّه الملك العزيز العلّام.
ثمّ إنّ إسماعيل عليه الصلاة والسلام لم يحرّك المقام ولم يخرجه من جوف