شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٣٣ - «الشرح»
..........
الأزلي و ربط كلّ ذي وقت بحيث لا يتأخّر المتقدّم و لا يتقدّم المتأخّر فهي تخبر بسبب كونها موقّتة أن لا وقت لموقّتها لامتناع تشبيه بخلقه و ارتباط وجوده بوقت و افتقاره إلي الموقّت، و سبق العدم على وجوده
(حجب بعضها عن بعض)
(١) [١] أمّا تحقّق الحجاب بين المحسوسات بعضها عن بعض و بين المحسوسات و الحواسّ فظاهر و أمّا تحقّقه بين المعقولات و العقل و يسمّى ذلك الحجاب بالحجاب العقلي فلأنّ كثيرا من الامور المعقولة لا يدركه العقل أصلا و لا يصدّق بوجودها أبدا لعدم ارتباطها بما أدركه أو لبعد ارتباطها عنه أو لخفائها و غاية دقّتها
(ليعلم أن لا حجاب)
(٢) أصلا [٢] لا حسّي و لا عقليّ
(بينه و بين خلقه)
(٣) يمنعهم من مشاهدة
[١] قوله «و حجب بعضها عن بعض» الزمان و المكان كلاهما حاجبان و المناسبة بين الحجاب و الزمان حيث ذكره بعده أن الزمان علة للحجاب و الواقع فى زمان معين لا يعلم ما فى الماضى و المستقبل و كذا الواقع فى مكان لا يعلم ما فى مكان آخر و أما واجب الوجود و ما خلقه لا فى زمان و مكان، فان نسبة جميع الازمنة و الامكنة إليهم واحد و نفس الانسان باعتبار جسمانيتها محجوبة كسائر الجسمانيات فانه لا يمكن لها الاطلاع على الغائبات بخلاف ذاتها المجردة ألا ترى أن الانسان فى النوم أو فى الرياضات اذا تخلى بنفسه و انصرف من عالم الطبيعة الى باطنه قديرى الامور الغائبة و المستقبلة. (ش)
[٢] قوله «ليعلم أن لا حجاب أصلا» هذه العبارة و ما شابهها تدل دلالة واضحة على صحة الاعتماد على الادلة العقلية الحكمية و وجوب التفكر فيها لان دلالة كون الممكنات محجوبة بعضها عن بعض على عدم الحجاب بينه تعالى و بين خلقه متوقفة على مقدمات نظرية لا يهتدى إليها الظاهريون بمجرد مطالعة الالفاظ و فهم مداليلها لغة و عرفا و مثلها قوله (ع) «بتشعيره المشاعر عرف ان لا مشعر له» و غيره من أمثاله قال العلامة المجلسى ((رحمه اللّه)) عن بعض الافاضل يعنى صدر المتألهين ((قدس سره)) فى تقرير الدليل أن الطبيعة الواحدة لا يمكن أن يكون بعض أفرادها علة لبعض آخر لذاته لانه لو فرض كون نار علة لنار فعلية هذه و معلولية تلك اما لنفس كونهما نارا فلا رجحان لاحدهما في العلية و للاخرى في المعلولية بل يلزم أن تكون كل نار علة للاخرى بل علة لذاتها و معلولا لذاتها و هو محال و ان كانت العلية لانضمام شيء آخر فلم يكن ما فرضناه علة علة بل العلة حينئذ ذلك الشيء فقط لعدم الرجحان فى إحداهما للشرطية و الجزئية أيضا لاتحادهما من جهة المعنى المشترك و كذلك لو فرض المعلولية لاجل ضميمة فقد تبين أن جاعل الشيء يستحيل أن يكون مشاركا لمجعوله- الى آخر ما قال- و هذه عبارة صدر المتألهين بعينها أ ترى أن كلام أمير المؤمنين (ع) يمكن فهمه من دون التفكر في أمثال هذه المطالب الدقيقة و لو كان ممكنا لم يحتج المجلسى (ره) الى نقل عبارة الصدر ((قدس سره)) مع أنه نقلها في مرآة العقول و في البحار أيضا. و استدل أيضا صدر المتألهين هنا ببرهان أدق حاصله أن تأثير الجسم ان فرض تأثيره و تأثير قواه و متعلقاته انما يكون بمشاركة الوضع و لكن لا وضع لشيء بالقياس الى ما لم يوجد بعد، اذ كل علة مقتضية للشىء فلها مرتبة في الوجود سابقة على وجود معلوله و اذا كان تأثير العلة الجسمانية بمشاركة الوضع و الوضع لا يتحقق الا بعد وجود ما بالقياس إليه الوضع أو موضوعه أو مادته و أما ذات الجسم و المادة التى كلامنا فيه فلا يمكن أن يكون لموجدها وضع بالقياس إليها قبل وجودها و إلا لزم تقدم الشيء على نفسه، فاذن موجد الجسم يجب أن لا يكون جسما و لا جسمانيا فيكون مرتفع الذات عن عالم الاحتجاب و الظلمات فوجود المحتجبات دل على أن موجدها موجود غير محتجب عن الخلق. انتهى ما أردنا نقله. و لو كان مراد أمير المؤمنين (ع) ما خطر ببال بعض أهل الظاهر من التمسك بصرف عدم الاشتباه بتقرير أن كل صفة وجدت في الممكنات دلت على عدمها في الواجب تعالى مثلا وجود الحجاب في الممكنات دال على عدمه في الواجب و وجود الزمان و المكان و الجسم و المشعر و الغريزة و الضد و المثل و القرين في الممكن دل على عدم جميع تلك في الواجب كان برهانا ناقصا و غير صحيح اذ يلزم منه أن ثبوت العلم في الممكن دال على الجهل في الواجب و الحياة فيه على عدم الحياة فيه و السمع و البصر و القدرة و غير ذلك، فلا بد من الفرق كما قلنا. و ما يقال من أن كلام الائمة (عليهم السلام) لفهم جميع الناس البدوى و القروى و العالم و الجاهل و أمثال هذه المطالب الدقيقة مما لا يمكن فهمه للعامة و لا يمكن أن يبتنى عليها أدلة العقائد في كلام الائمة (عليهم السلام)، نقول في جوابه لا نسلم أن جميع ما ورد في الدين ورد لجميع الناس بل ورد بعضها لاهل العلم و الفطنة لان لهم حقا أداه الائمة (ع) إليهم و لا نوجب على الناس كافة فهم كلام أمير المؤمنين (ع) فى هذه المطالب بل نوجب اعترافهم بعلمه (عليه السلام) و ان لم ينالوه كما نعترف بفضل ساير العلماء و الحكماء و ان لم نعرف جميع مطالبهم. (ش)