شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢١٧ - «الشرح»
..........
بالسلوب المذكورة عن المعاني المعروفة إلى غيرها بل عن حقيقتها إلى مجازها لتنزيه الحق عن الكيفيّات الجسمانيّة و تنبيه السائل على عدم إمكان رؤيته بالعين لأنّ المرئي بالعين لا ينفكّ عن هذه الكيفيّات
(قبل كلّ شيء)
(١) لأنّك إذا لاحظت ترتيب الوجودات في سلسلة الحاجة إليه سبحانه وجدته تعالى بالإضافة إليها أنّه قبلها إذ كان انتهاؤها في تلك السلسلة إلى عنايته و وجوده الحق فهو قبل بالعلّية و الذّات و الشرف
(لا يقال شيء قبله)
(٢) إذ لمّا لم يكن بذي مكان فالتقديم بالمكان منفيّ عنه و الزّمان يتأخّر عنه إذ هو من لواحق الحركة المتأخّرة عن الجسم المتاخّر عن علّته فلم يلحقه القبليّة الزمانيّة و لا القبليّة المكانيّة، فلم يكن شيء قبله مطلقا لا من الزّمانيات و لا من غيرها
(و بعد كلّ شيء)
(٣) لأنّه الباقي بعد فناء الأشياء و هو وارث كلّ شيء و أيضا إذا نظرت إلى ترتيب السلوك و لاحظت مراتب السالكين في منازل عرفانه وجدته بعد كلّ شيء و آخره إذ هو آخر ما يرتقى إليه درجات العارفين و معرفته هي الدّرجة القصوى و المنزل الآخر
(لا يقال له بعد)
(٤) لامتناع فنائه و بقاء شيء بعده و لأنّه ليس فوقه شيء حتّى يرتقى إليه سير العارفين و يكون هو آخر مقاماتهم، و بالجملة هو القبل المطلق الّذي لا شيء قبله و البعد المطلق الّذي لا شيء بعده
(شاء الأشياء لا بهمّة)
(٥) شاء فعل ماض أو اسم فاعل مع التنوين و نصب الأشياء على المفعوليّة يعني أراد وجود الأشياء و لواحق وجودها بمجرّد ذاته لا بعزم و إرادة زائدة على ذاته و لا بهمّة فكريّة إذ هي من لواحق النفوس البشريّة و فيه تنزيه لارادته عن مثليّة إرادتنا في سبق العزم و الهمّة لها
(درّاك لا بخديعة)
(٦) الخديعة بالخاء المعجمة اسم من خدع الضبّ في جحره إذا دخل أو من خدعت العين إذا غارت يعني يدرك الأشياء كلها لا بصور داخلة فيه فليس إدراكه بالانطباع، أو من خدعه إذا ختله يعنى يدركها من غير استعمال الحيلة و اجالة الرّأي لأنّ ذلك من خواصّ خلقه، و قال الفاضل الشوشتري: لا يبعد أن يكون بالجيم قال في الصّحاح المجادعة و التخادع المخاصمة فيكون المقصود أنّه يدرك من غير تعب كما أنّه يشاء من غير همّة و لا يخفى بعده
(في الاشياء كلّها غير متمازج بها)
(٧) [١] إذ
[١] قوله «فى الاشياء كلها» هو المعنى الصحيح لوحدة الوجود و قد تكلم الناس فيها كثيرا فمنهم من جعلها أصل التوحيد حتى قالوا ان من لم يكن معتقدا بها لم يكن موحدا حقا، و منهم من أنكرها مطلقا لانها توهم الحلول و أزال أمير المؤمنين «ع» هذا الوهم بقوله «غير متمازج بها» و بين أن كونه تعالى في الاشياء لا يستلزم الحلول. و منهم من أولها بتأويل بعيد، و بعضهم فرق بين وحدة الوجود و وحدة الموجود و لا محصل له. و تكرر هذا المعنى في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) بعبارات مختلفة و سره أن ذاته تعالى عين حقيقة الوجود، و الممكنات وجودات تعلقية ربطية لا حقيقة لها بذاتها مع قطع النظر عن علتها، و البحث في ذلك يطول ليس هنا محل تحقيقه. (ش)