شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٧٤ - «الشرح»
..........
الّذي لا يبلغه بعد الهمم و لا يناله غوص الفطن)
(١) تبارك إمّا مشتقّة من البروك المستلزم للبقاء و الثبات في موضع واحد أو من البركة و هي الزيادة فهو بالاعتبار الأوّل إشارة إلى عظمته باعتبار دوام بقائه و استحقاقه قدم الوجود لذاته و ثبوت وجوده لا عن ابتداء و لا إلى انقطاع، و بالاعتبار الثاني إشارة إلى فضله و إحسانه و وجوه الثناء عليه. و النيل الإصابة و الهمّة العزم الجازم يقال: فلان بعيد الهمّة إذا كانت إرادته تتعلّق بعليّات الامور دون محقّراتها. و الغوص الغور و الحركة في عمق الماء. و الفطن بفتح الفاء و كسر الطاء الذكيّ المتوقّد و بالعكس جمع الفطنة و هي في اللّغة الفهم و عند العلماء جودة الذّهن المعدّة لاكتساب المطالب العليّة و لمّا كانت صفات كماله و نعوت جلاله في عدم الوقوف على حقائقها و أغوارها تشبه البحر الخضم الّذي لا يصل الغائص إلى قعره كانت الفطنة المتحرّكة فيها شبيهة بالغائص في البحر فاستعير الغوص لحركات الفطن في عميقات غيوب ملكوته و أسرار عالم الغيب العميقة طالبة لتصوّرها كما هي و البلوغ إلى كنهها، و يفهم منه استعارة البلوغ لحركات الهمم البعيدة إذ هو حقيقة في لحوق جسم و جسماني بجسم و جسماني آخر و هاتان الاضافتان في معنى الصفة أي لا يبلغه الهمم البعيدة و لا يناله الفطن الغائصة، و وجه الحسن أنّ المقصود هو المبالغة في عدم إصابة ذاته و صفاته و أسراره تعالى بالهمّة من حيث هي بعيدة و بالفطنة من حيث هي غائصة فالحيثيّة مقصودة بالقصد الأوّل فلذا قدّم، فسبحان الّذي كلّ ذي همّة بعيدة في أنوار كماله حريق، و كلّ ذي فطنة غائصة في بحار جلاله غريق
(و تعالى اللّه الّذي ليس له وقت معدود و لا أجل ممدود)
(٢) أي ليس لوجوده زمان متناه و لا زمان غير متناه لأنّ موجد الزّمان [١] يمتنع تقدير وجوده بالزّمان لأنّ وجوده لو كان زمانيّا
[١] قوله «لان موجد الزمان» قد تكرر فى الحديث نفى الزمان عنه تعالى و لا يمكن ان يكون المراد منه نفى الزمان المعين كسائر الحوادث و الشارحون على أن ذاته تعالى غير مقترن بالزمان لا مستمرا و لا معينا بمعنى انه لا يتغير حتى يكون زمانيا، و فى الزمان مذاهب مشهورة و هو عند بعضهم واجب الوجود بمعنى أنه لا يمكن عدمه فليس مخلوقا، و عند بعضهم هو امر موهوم لا حقيقة له فى الخارج و على هذين المذهبين لا يتصور له موجد و المشهور عند الحكماء و المتكلمين أنه مقدار حركة ما فيكون من عوارض الحركة و الحركة من عوارض الجسم فموجد الزمان هو الّذي أوجد الجسم و أوجد التغير فيه فيكون الزمان مخلوقا بخلق الجسم و الحركة و لا يتصور وجود زمان قبل أن يخلق جسم. و العجب أن بعضهم يثبتون الزمان قبل أن يخلق اللّه تعالى جسما مع قولهم بأن الزمان أمر موهوم لا حقيقة له فى الخارج. و ليس بنا حاجة الى فهم كل ما قاله الناس و تصحيح أوهامهم، و المقصود هو عدم ثبوت التغير فى ذاته حتى يكون له زمان. (ش)