شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٦١ - «الشرح»
..........
فيما يخلق من خلقه)
(١) ما مصدريّة و الرويّة عطف على الحفظ و فيه إشارة إلى أنّ علمه بالأشياء ليس علما إجماليّا يستعين به على الرويّة و الفكر ليجد وجه المصلحة فيما يخلق من خلقه كما هو شأن أرباب الصنائع فإنّهم يتصوّرون أوّلا أمرا مجملا ثمّ يخطر ببالهم في أثناء الصنع ماله مدخل في تمامه و كماله و يصنعونه تكميلا لصنائعهم و عطفها على علم حادث، أي إنّما سمّى اللّه بالعلم بغير الرويّة إلى آخره أيضا محتمل، و المتكلّمون بعد ما قالوا: إنّه تعالى عالم بجميع أفعاله قبل الايجاد لا من طريق أصلا لا من حسّ و لا من رويّة و نظر و استدلال سألوا أنفسهم و قالوا لم زعمتم ذلك و لم لا يجوز أن يكون قد فعل أفعالا مضبوطة ثمّ أدركها فعلم كيفيّة صنعها بطريق كونه مدركا لها فأحكمها بالرويّة بعد اختلالها و اضطرابها ثمّ أجابوا عن ذلك بأنّه لا بدّ أن يكون قبل ذلك عالما بمفردات بعضها فوجب أن يعلم كذلك بأسرها لعدم التخصيص، و ردّ هذا الجواب بأنّه لا يلزم العلم بمفردات الفعل العلم بالفعل، فقولكم «لا بدّ أن يكون عالما بمفرداتها قبل فعلها» مصادرة على المطلوب، و الجواب الحقّ أنّه لو علمها بعد أن لم يعلمها لزم الجهل و هو نقص لا يليق بجناب القدس و لكان علمه بها حادثا في ذاته فيلزم أن يكون جلّ شأنه محلّا للحوادث و هو محال
(و يفسد ما مضى ممّا أفنى من خلقه)
(٢) يفسد من أفسدت الشيء لعدم كونه على وجه المصلحة، و المفسدة خلاف المصلحة و هو عطف على يخلق، و صحّ ذلك لأنّ «ما» مصدريّة كما أشرنا إليه و لو جعلت موصولة أو موصوفة لم يصحّ و «ما مضى» مفعوله و «ممّا أفنى» بيان لما مضى و المقصود- اللّه أعلم- أنّه ليس له علم حادث استعان به على الرويّة و التفكّر في الخلق و الإيجاد و الإفناء و الإفساد فكما لا يتفكّر في استصلاح ما يخلق كذلك لا يتفكّر في استصلاح ما يفسد لعدم وقوعه على وجه المصلحة كما هو شأن الفاعل بالعلم الحادث الناقص الّذي يستكمل في الصنائع بالتجربة و تكرّر الأفاعيل و إلى هذا المعنى أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله «و منشئهم بحكمه بلا اقتداء و لا تعليم، و لا احتذاء لمثال صانع حكيم، و لا إصابة خطأ» [١] و معنى قوله (عليه السلام) «و لا إصابة خطأ» أنّه يخلق أوّلا اتّفاقا على سبيل
[١] النهج قسم الخطب تحت رقم ١٨٩.