شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٣٩ - «الشرح»
..........
الإقدام على الشيء من غير مبالاة و الاستفهام للتوبيخ
(أن تصف ربّك بالتغيير من حال إلى حال)
(١) مثل التغير من الخفّة إلى الثقل و من الثقل إلى الخفّة
(و أنّه يجري عليه ما يجري على المخلوقين)
(٢) من الغضب و الثقل و الحركة التابعة لهما
(سبحانه و تعالى لم يزل مع الزّائلين و لم يتغيّر مع المتغيّرين و لم يتبدّل مع المتبدّلين)
(٣) أي لم يتّصف بالزوال و الفناء ليكون مع الزّائلين و من جنسهم و لا بالتغيّر من الكيفيّات الجسمانيّة ليكون مع المتغيّرين فيها و لا بالتبدّل من الوصف اللّائق به إلى آخر ليكون مع المتبدّلين في الأوصاف بل هو باق لا يطرأ عليه الزّوال و الفناء، و ثابت لا يعرضه التغيّر و الفناء، و حقّ لا يتّصف بالتبدّل و الرّجاء فمع في المواضع الثلاثة مع مدخولها في محلّ النصب على أنّه حال عن الفاعل و قيد للمنفي، ثمّ أشار إلى أنّ كونه على العرش عبارة عن جريان قدرته عليه و نفاذ تدبيره فيه و إلى أنّه لا يحتاج في نفاذ حكمه إلى الغضب بالمعنى المعروف و ما يتبعه من الثقل و التغيّر و الحركة لأنّ ذلك من صفات الناقصين في القدرة و التدبير بقوله
(و من دونه في يده و تدبيره)
(٤) [١] أي مقهورون في قدرته و تقديره و مغلوبون في
[١] قوله «من دونه فى يده و تدبيره» هذا مطلب مستقل بنفسه و يمكن أن يجعل دليلا على عدم تطرق التغير الى ذاته تعالى و ذلك لانه تعالى كامل مطلقا و لا يجوز فقده لصفات الكمال فى حال و التغير ان كان من نقص الى كمال دل على النقص السابق و ان كان من كمال الى نقص دل على النقص اللاحق، و لا يتحقق التغير الا بفقدان شيء حاصل أو وجدان شيء غير حاصل، و اذا كان كل شيء فى يده و تدبيره لم يتصور تأثره و انفعاله عن شيء أبدا.
و أما كون كل شيء فى يده و تدبيره فلان الممكن وجوده زائد عليه و يحتمل الوجود و العدم و لذلك لا نحكم بوجود ماهية نتصورها الا بدليل، فاذا قيل لك أن فى الموضع الفلانى جسما عظيما أو صغيرا لا تصدق به من غير دليل و لو كان الوجود غير زائد عليه لم تشك فيه و مع ذلك فقد أقاموا الدليل على كون الجسم مركبا من الهيولى و الصورة و أن الصورة محتاجة الى الهيولى و الهيولى محتاجة الى الصورة فالجسم متعلق الوجود بأجزائه لكونه مركبا و كل واحد من أجزائه محتاج الى الاخر فلا يتعقل وجود الجسم الا بان يكون موجود مفارق من الملائكة أو العقول هو علة لوجود الهيولى و الصورة و لتركيب الجسم و تأليفه منهما و تعلق الجسم بذلك الموجود المفارق نظير تعلق النور بالسراج لا يتعقل له وجود مع فرض عدم ذلك المفارق كما لا يتصور مع عدم الهيولى و الصورة و المفارق يقيم الهيولى بالصورة و الصورة فى يده و تدبيره كما ان الهيولى فى يده و تدبيره، و أما قدماء الطبيعيين و الماديين المنكرون لوجود المبدأ الاول فقد التزموا بعدم وجود الهيولى و الصورة و بأن هذه الاجسام التى نراها ليست ذات اتصال بل هى مركبات اعتبارية يتراءى فى النظر من اجتماع ذرات صغيرة لا يتجزى و على هذا فلا يعقل تعلقها بعلة مفارقة أما الذرات الصغار فكانت عندهم قديمة ذاتا و غير مخلوقة و أما الجسم المركب منها فشيء اعتبارى كالحجر الموضوع بجنب الانسان و اذا لم يكن الجسم باتصاله موجودا حقيقيا فلا يبحث عن تركبه و لذلك يصعب على الموحدين و الالهيين اثبات المبدأ الاول لهم فالقول بالجزء الّذي لا يتجزى من شعار الملاحدة و لوازم مذهبهم و ان أخذه بعض المتكلمين منهم لغفلتهم عن اللوازم الفاسدة التى يلزمهم و زعموا ان القول بالجزء لا ينافى اثبات المبدأ الاعلى و الحق أنه ينافى تصور تعلق الاجسام بفاعل و لذلك لا يتعقلون فنائها أما أهل عصرنا فأكثرهم على أن الجسم و هيئته الاتصالية شيء يتمثل فى الحس المشترك من الحركة السريعة لقوى ذات وضع غير جسمانية كما يتمثل الدائرة النارية من حركة الشعلة الجوالة و السطح المستوى من حركة خشبة سريعة و يسمون القوى المتحركة الكترون و نوترون و عليه فيسهل أيضا تصور التعلق و المعلولية للاجسام و تطرق الفناء إليها اذ لا ريب أن هذه القوى نظير الكهربائية و النور و الحرارة تفنى و ليس الجسم الا مظهرا لحركة هذه القوى يفنى بفنائها و يتعلق بالمبدإ بتعلق القوى به تعالى. (ش)