ديوان الشريف الرضي - السيد الشريف الرضي - الصفحة ١٩٩ - عذيري
سقى اللّه من أمسى على النأي علّتي، # و قد كان مع قرب المزار تعلّتي
أقلني، أقلني نظرة ما احتسبتها، # فقد أنهلت قلبي غليلا و علّت [١]
فشوقا إلى وجه الحبيب تلهّفي، # و ميلا إلى دار الحبيب تلفّتي
جرت خطرة منه على القلب كلّما # زجرت لها العين الدّموع أرشّت
و مرّت على لبّي، فقلت لعلّها # تجاوزني مكظومة، فاستمرّت [٢]
أداري شجاها كي يخلّى مكانه، # و هيهات، ألقت رحلها و اطمأنّت
و أعلم ما خاضت يد الدّهر للفتى # أمرّ مذاقا من فراق الأحبّة [٣]
فكم زعزعتني النّائبات فلم أزل # لها قدمي عن وطأة المتثبّت
و كم صاحت الأيّام خلفي بروعة # فصرت بعين الجازع المتلفّت
تسلّ عليّ الحادثات سيوفها، # فمن مغمد قد نال منّي و مصلت [٤]
زمامي بكفّ الدّهر أتبع خطوه، # و ما الدّهر إلاّ مالك للأزمّة
و قد كنت آبى أن أقاد، و إنّما # ألان قيادي من ألان عريكتي
فلا تشمتوا إن يثلم الدهر جانبي، # فأكثر ممّا مرّ منّي بقيّتي
تحيّف شوسا من عيون فأغمضت # و ذلّل غلبا من رقاب فذلّت [٥]
فآه على الدّنيا إذ الجدّ صاعد؛ # و أوه من الدّنيا إذا النّعل زلّت
ألا هل أخيض الطّرف يوما بغمرة # إذا الخيل بالغرّ الوجوه تمطّت
و لم تلق فيها غير طعن مضجّج، # و ضرب سريع بالمنايا مسكّت
ترنّ له هام الرّجال، و إن رمت # بأعينها فيه النّساء أرنّت
فسوف تراني طائرا في غبارها # على سابح تهفو غدائر لمّتي
[١] أقلني: امنحني، ساعدني.
[٢] مكظومة: عابسة، غضبى.
[٣] خاضت: خلطت.
[٤] مصلت: منصلت، منسل. يلاحظ اعتماد مراعاة النظير في المعنى المجازي المعتمد.
[٥] تحيف: تنقص-الشوس: النظر بمؤخرة العين تكبرا أو تغيظا.