دراسات الأصول في أصول الفقه - المعصومي الشاهرودي، علي أصغر - الصفحة ٢٦١ - القسم الثالث من الدلالة التصديقية
إلى الوضع لا محالة؛ إذ من الواضحات أنّ الوضع أمر اعتباري جعلي نظير الامور التشريعية الاختيارية لا بدّ من أن يكون في دائرة الغرض و الحكمة من المصلحة التي دعت الواضع إلى الوضع و الاعتبار، فيكون ذلك الجعل و الاعتبار في اختيار من بيده الوضع و التعهّد و الاعتبار، فله كيف يشاء أن يجعله مقيّدا بما يريد من القيود عند قضاء الاحتياج إلى أخذ تلك القيود في جهة التفهيم، و من ناحية أنّ الغرض في ذلك المقام مختصّ بخصوص قصد التفهيم و ليس إلّا، فلا جرم تنحصر العلقة الوضعية بحصّة إرادة قصد التفهيم.
فلا يقال: إنّ هذه الحصّة من الدلالة الوضعية المنحصرة بالدلالة التصديقية مصادمة للدلالة البديهية التصوّرية التي هي عبارة عن انتقال المعنى إلى الذهن بمجرّد سماع اللفظ.
فإنّه يقال: إنّ هذا التوهّم مندفع بما تقدّم منّا من أنّ هذه الدلالة الانتقالية التصوّرية غير مربوطة بالوضع، بل إنّما هي ناشئة من انس الذهن الحاصل من جهة كثرة الاستعمال و أمثال ذلك، لا من ناحية الوضع و الدلالة الوضعية.
فهذا التصوّر و الخطور و الانتقال من الامور العادية الدارجة في عادات بني نوع الإنسان بما لها من المنشأ في انتزاعها، فمنشأ هذا الأمر العادي الموجود غير القابل للإنكار هو انس الذهن، لا الوضع و الاعتبار.
و الحاصل أنّ اختصاص الدلالة الوضعيّة بالدلالة التفهيمية التصديقية على جميع التقادير بالنسبة إلى تمام المذاهب و الآراء في بيان تفسير تحكيم حقيقة معنى الوضع في جميع المحاورات و اللغات لأهل اللسان و البيان، من دون أيّ فرق بين مسلكنا و بقيّة الأقوال و الآراء.
و لا يذهب عليك أنّ هذا الاختصاص لازم حتمي بمسلك المختار على انحصار الوضع بالتعهّد، لا على نحو الوضع بالنسبة إلى سائر الأقوال.