الشفاء - الإلهيات - ابن سينا - الصفحة ٣٠ - الفصل الخامس (ه) فصل في الدلالة على الموجود و الشيء و أقسامهما الأول، بما يكون فيه تنبيه على الغرض
إياه. و لو كان كل تصور يحتاج إلى أن يسبقه تصور قبله لذهب الأمر في ذلك [١] إلى غير النهاية، أو لدار.
و أولى الأشياء بأن تكون متصورة لأنفسها الأشياء العامة للأمور كلها، كالموجود، و الشيء الواحد و غيره. و لهذا ليس يمكن أن يبين [٢] شيء منها ببيان لا دور فيه البتة، أو ببيان شيء أعرف منها [٣]. و لذلك من حاول أن يقوم فيها شيئا وقع في اضطراب، كمن يقول: إن من حقيقة الموجود [٤] أن يكون فاعلا أو منفعلا، و هذا إن كان و لا بد فمن أقسام الموجود، و الموجود أعرف من الفاعل و المنفعل. و جمهور الناس يتصورون حقيقة الموجود و لا يعرفون البتة أنه يجب أن يكون فاعلا أو منفعلا، و أنا إلى هذه الغاية لم يتضح لي ذلك إلا بقياس لا غير، فكيف يكون حال [٥] من يروم أن يعرف حال الشيء الظاهر بصفة له، تحتاج إلى بيان حتى يثبت وجودها له؟ و كذلك قول من قال:
إن الشيء هو الذي يصح عنه الخبر، فإن" يصح" أخفى من" الشيء" و" الخبر" [٦] أخفى من" الشيء"، فكيف يكون هذا تعريفا للشيء؟ و إنما تعرف الصحة و يعرف الخبر [٧] بعد أن يستعمل في بيان كل واحد منهما أنه" شيء" أو أنه" أمر" أو أنه" ما" أو أنه" الذي"، و جميع ذلك [٨] كالمرادفات لاسم الشيء، فكيف يصح أن يعرف الشيء تعريفا حقيقيا بما لم يعرف إلا به؟ نعم ربما كان في ذلك و أمثاله تنبيه ما. و أما بالحقيقة فإنك إذا قلت إن الشيء هو ما يصح الخبر عنه، تكون كأنك قلت:
إن الشيء هو الشيء الذي يصح الخبر عنه، لأن معنى" ما" و" الذي" و" الشيء" معنى واحد، فتكون قد أخذت الشيء في حد الشيء.
[١] فى ذلك: ساقطة من ب
[٢] يبين: يتبين ص
[٣] منها: منه ط
[٤] الموجود:
الموجودات م
[٥] حال: ساقطة من م
[٦] و الخبر: و الجزء م
[٧] الخبر: الجزء م
[٨] ذلك: هذه طا.