نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٨٥ - الشرح والتفسير ثمان وعشرون موعظة أخرى
أكثر من المدّة المقدرّة، ولكن بحسب عالم الأسباب والمسبّبات فإنّ هذا التصوّر مجرّد خيال باطل، والتأسّف عليه مثل تأسّف الشخص الذي رأى في منامه أنّه يملك مالًا ومقاماً وعندما يستيقظ فإنّه يجزع على ما ذهب من يده في منامه.
الخامسة: يشير الإمام عليه السلام في هذه التوصية إلى نقطة مهمة أخرى ويقول:
«اسْتَدِلَّ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ بِمَا قَدْ كَانَ، فَإِنَّ الْأُمُورَ أَشْبَاهٌ».
وهذا يعني وجود سلسلة من القوانين الكلية الحاكمة على عالم الوجود وعلى المجتمعات البشرية، ولها في كلّ زمانٍ مصاديق في أرض الواقع، ولكن كلّ هذه المصاديق والموارد مشمولة لتلك القوانين الكلية، وعليه فالإنسان بإمكانه- من خلال مطالعة حالات القدماء والمجتمعات الماضية بل وحتّى مراجعة ما واجهه من حوادث ومتغيّرات في سنوات عمره الماضية- أن يتعرّف على المسائل التي تواجهه في الحاضر والمستقبل من خلال المقارنة، لئلّا يتورّط بعناصر الخطأ والضرر والخسران.
وهذا الكلام يشبه ما ورد عن الإمام عليه السلام في خطبة أخرى حيث قال: «عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ الدَّهْرَ يَجْرِي بِالْبَاقِينَ كَجَرْيِهِ بِالْمَاضِين» [١]، وهذا الكلام متداول في تعبيراتنا اليوميّة حينما نقول: التاريخ يعيد نفسه.
وفي ذيل الخطبة يتحدّث الإمام عليه السلام عن كيفية تكرار التاريخ، وقد تحدّثنا في شرحها تحت ستّة عناوين: الزوال السريع للنعم، عدم ثبات الحوادث في العالم، عدم وفاء الدنيا وأهلها، الغرور والإخفاقات الناشئة عنه، تغيّر الحالات والروحيات لدى الأفراد بحيث إنّ أقرب المقرّبين ربّما يتحوّل إلى أخطر الأعداء، وأخيراً أنّ الذي يبقى ويعدّ ذكرى جميلة للإنسان في هذا العالم، أشكال الإحسان والمحبّة والإخلاص، وما يؤدّي إلى اللعن ويسبّب السمعة السيئة للإنسان هو الظلم والجور وسلب الحقوق.
[١]. نهجالبلاغة، الخطبة ١٥٧.