نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٩٠ - الشرح والتفسير السالكون طريق الآخرة
من موقع العمق والوضوح في الرؤية، وبذلك يتمّ تشويقه وحثّه لأداء الأعمال المفيدة والخيرة والابتعاد عن الرذائل والقبائح.
والقرآن الكريم يستخدم كثيراً الأمثلة الجميلة والعميقة المغزى، حيث تشكّل الأمثلة قسماً مهماً من الآيات القرآنية، ونرى في كلمات أميرالمؤمنين عليه السلام في نهجالبلاغة أمثلة كثيرة وذات معانٍ عميقة أوردها الإمام عليه السلام في خطبه ووصاياه بغاية الفصاحة والبلاغة.
بعد أن يذكرالإمام عليه السلام هذه المقدّمة يستعرض مثالين للدنيا والآخرة فيقول أوّلًا:
«إِنَّمَا مَثَلُ مَنْ خَبَرَ [١] الدُّنْيَا كَمَثَلِ قَوْمٍ سَفْرٍ [٢] نَبَا بِهِمْ مَنْزِلٌ جَدِيبٌ [٣]، فَأَمُّوا [٤] مَنْزِلًا خَصِيباً [٥] وَجَنَاباً [٦] مَرِيعاً [٧]، فَاحْتَمَلُوا وَعْثَاءَ [٨] الطَّرِيقِ، وَفِرَاقَ الصَّدِيقِ، وَخُشُونَةَ السَّفَرِ، وَجُشُوبَةَ [٩] المَطْعَمِ، لِيَأْتُوا سَعَةَ دَارِهِمْ، وَمَنْزِلَ قَرَارِهِمْ».
فأهل الآخرة يعلمون أنّهم في سفر وأنّ ما يواجهونه من أتعاب وآلام وجشوبة العيش ومعاناة الطريق إنّما هي حالات مؤقّتة وبمثابة الثمن الذي يدفعونه لتحصيل السعادة الدائمة والوصول إلى منزل القرار والاستقرار والراحة الأبديّة فتكون هذه الأمور والصعوبات بالنسبة لهم هيّنة ويسيرة، ولذلك يقول الإمام عليه السلام بعد ذلك:
[١]. «خَبَرَ» فعل ماضي من «الخُبر» على وزن «قفل» بمعنى الاطّلاع على الحدث، وأحياناً تأتي بمعنى الاختبارللاطلاع على الخبر.
[٢]. «سَفْر» جمع مسافر.
[٣]. «جَديب» بمعنى الجاف وبدون ماء وعلف، وهو من مادة «جَدَب» على وزن «جلب».
[٤]. «أمّوا» من مادة «امّ» على وزن «غم» بمعنى القصد.
[٥]. «خصيب» بمعنى كثير النعمة والماء والنبات، من مادة «خصب» على وزن «جسم» وهو زيادة النعمة وكثرتها.
[٦]. «جناب» بمعنى الناحية.
[٧]. «مريع» بمعنى كثير النعمة والخير، من مادة «مرع» على وزن «رأي» وهو الكثرة والوفرة، و «أَرْضٌ مَريعَةٌ» الأرض الكثيرة المحصولات الزراعية.
[٨]. «وعثاء» من مادة «وعث» على وزن «درس» بمعنى الرمال الناعمة التي تدخل فيها الأقدام وتمنع الشخص من إدامة المسير، أو يعسر عليها المشي، ثم اطلقت على جميع المشكلات التي تعيق الإنسان في حركة الحياة، و «وَعْثاءُ الطَّرِيقِ» إشارة إلى مشكلات السفر.
[٩]. «جُشُوبَة» بمعنى الخشونة والغلظة.