نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٧ - الشرح والتفسير تعليمات ضرورية قبل التوجّه إلى الميدان
البديهيّ أنّ السير السريع والاستعجال في لقاء العدوّ بدون ملاحظة حرارة الجوّ وبرودته ووقت الاستراحة من شأنه أن يثير في أفراد الجيش التعب والضعف وبالتالي عدم مقاومة العدو ومجالدته بالشكل المطلوب.
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام يشير إلى الدستور الخامس والسادس من هذه التوصيات ويقول: «وَلَا تَسِرْ أَوَّلَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ سَكَناً، وَقَدَّرَهُ مُقَاماً لَاظَعْناً، فَأَرِحْ فِيهِ بَدَنَكَ، رَوِّحْ ظَهْرَكَ. فَإِذَا وَقَفْتَ حِينَ يَنْبَطِحُ [١] السَّحَرُ، أَوْ حِينَ يَنْفَجِرُ الْفَجْرُ، فَسِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ».
وهذا الكلام إشارة إلى ما ذكره القرآن الكريم في أكثر من مورد حيث يؤكّد على أنّ اللَّه تعالى جعل الليل مصدراً للسكون والدعة والراحة: «فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً» [٢]، ومثل هذا المضمون ورد في سورة يونس في الآية ٦٧، وسورة القصص، الآية ٧٣، وسورة غافر، الآية ٦١ وغير ذلك من الآيات الشريفة.
وهنا ربّما يفرض هذا السؤال نفسه وهو أنّ القرآن الكريم ذكر حقيقة أنّ الليل مصدر السكون والراحة للإنسان، في حين أنّ الإمام عليه السلام تحدّث عن بداية الليل واستثنى وقت السحر.
والجواب على هذا السؤال يتبيّن من خلال الإلتفات إلى هذه الحقيقة وهي أنّ المراد من الليل جميع ساعاته باستثناء السحر وهو الوقت القليل من آخره، ويستفاد من التعاليم الإسلاميّة في العبادات فيما يتصّل بصلاة الليل أنّ آخر الليل مستثنى من هذا الوقت، وهو وقت التنبه واليقظة والحركة والجديّة والاستغفار والتوبة، فلا يشمله مفهوم الليل الذي جعله اللَّه سكناً كما ورد في الآية الشريفة: «وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ» [٣].
[١]. «ينبطح» من مادة «بطح» على وزن «فتح» بمعنى الامتداد والتوسع، وجملة «يَنْبَطِحُ السَحَرُ» يعني امتدادالسحر وظهور علاماته، وهذه المفردة تأتي أحياناً بمعنى الاضطجاع على الأرض.
[٢]. سورة الأنعام، الآية ٩٦.
[٣]. سورة آل عمران، الآية ١٧.