نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٦ - الشرح والتفسير أحي قلبك بالموعظة
الإنسان أن يتقدّم خطوة واحدة باتجاه التكامل والسمّو والتعالي، ويتوقف عن المسير عند هذا الحدّ، فما يوجب الحياة للقلب وينفخ فيه الروح، هو المواعظ والنصائح التي وردت في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وروايات الأئمّة المعصومين عليهم السلام وما يستوحيه الإنسان من حوادث الدهر وتاريخ الأقوام البشرية.
وحقيقة الموعظة تتمثّل في التوصية بالخيرات والمكرمات والتوقّي من السيئات والقبائح، فإذا انطلقت هذه المواعظ من القلب مقترنة بالأدلة والشواهد، وبنيّة إسداء الخير للآخرين والشفقة عليهم، فإنّها تسكن في القلب وتؤثّر في إحياء الروح والعواطف.
وجملة: «أَمِتْهُ بِالزَّهَادَةِ» المراد القلب الذي يعيش أسير الأهواء والشهوات، فمثل هذا القلب يجب أن يموت بآلية الزهد ويكسب له حياة جديدة بالموعظة، وهذا التعبير بليغ وجذّاب جدّاً حيث يأمر الإمام عليه السلام أوّلًا بإحياء القلب ثمّ يأمر بإماتته، فالأمر الأوّل ناظر للأبعاد الإيجابية في العقل والروح، والأمر الثاني ناظر للأبعاد السلبية وأن يكون العقل أسيراً في براثن الشهوات، وفي الواقع أنّ الإمام عليه السلام يشبّه قلب الإنسان وروحه بالبستان الذي يحتوي على أشجار مثمرة وأغصان زاهرة وأزهار مختلفة الألوان، وفي ذات الوقت هناك أعشاب وأشواك ضارّة كثيرة بين هذه الأشجار، فإحياء هذا البستان يعتمد على تنمية تلك الأشجار والأزهار وقلع هذه الأشواك والأعشاب الضارّة.
وبعد أن يحيى القلب بالموعظة وتتمّ إزالة العوائق والموانع بالزهد، تصل النوبة لتقوية القلب، فيقول الإمام عليه السلام: «وَقَوِّهِ بِالْيَقِينِ»، اليقين الذي يحصل عليه الإنسان من خلال النظر في آفاق الخلق وأسرار الطبيعة، أو من خلال العبادة والعبودية للَّه تعالى، وبعد تقوية القلب باليقين يشتغل المؤمن بتنويره، وهو قول الإمام عليه السلام:
«وَنَوِّرْهُ بِالْحِكْمَةِ» فالحكمة والمعرفة والعلم من شأنها أن تنير طريق السالك إلى اللَّه وتمنحه المعرفة بالمطبّات والعوائق التي تواجه المؤمن في طريق المعنوية.