نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٧ - الشرح والتفسير علّة كتابة هذه الوصية
القسم الثاني
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي فِيمَا تَبَيَّنْتُ مِنْ إِدْبَارِ الدُّنْيَا عَنِّي، وَجُمُوحِ الدَّهْرِ عَلَيَّ، وَإِقْبَالِ الْآخِرَةِ إِلَيَّ، مَا يَزَعُنِي عَنْ ذِكْرِ مَنْ سِوَايَ، وَالْاهْتِمَامِ بِمَا وَرَائِي، غَيْرَ أَنِّي حَيْثُ تَفَرَّدَ بِي دُونَ هُمُومِ النَّاسِ هَمُّ نَفْسِي، فَصَدَفَنِي رَأْيِي، وَصَرَفَنِي عَنْ هَوَايَ، وَصَرَّحَ لِي مَحْضُ أَمْرِي، فَأَفْضَى بِي إِلَى جِدٍّ لَايَكُونُ فِيهِ لَعِبٌ، وَصِدْقٍ لَايَشُوبُهُ كَذِبٌ. وَوَجَدْتُكَ بَعْضِي، بَلْ وَجَدْتُكَ كُلِّي، حَتَّى كَأَنَّ شَيْئاً لَوْ أَصَابَكَ أَصَابَنِي، وَكَأَنَّ الْمَوْتَ لَوْ أَتَاكَ أَتَانِي، فَعَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِينِي مِنْ أَمْرِ نَفْسِي، فَكَتَبْتُ إِلَيْكَ كِتَابِي مُسْتَظْهِراً بِهِ إِنْ أَنَا بَقِيتُ لَكَ أَوْ فَنِيتُ.
الشرح والتفسير: علّة كتابة هذه الوصية
في هذه الفقرة من الوصية يتحدّث الإمام عليه السلام فيها بادئاً من نفسه ويذكر الباعث له لكتابة مثل هذه الوصية الأخلاقية والإنسانية، ويقول ما خلاصته: إنّي نظرت إلى نفسي فرأيت كوكب عمري متّجهاً نحو الافول، وينبغي أن أهتمّ بنفسي وأستعدّ لسفر آخرتي، ولكن بما أنّك تمثّل جزءاً من وجودي بل جميع وجودي، فرأيت من الضروري أن اقدّم لك هذه التحذيرات والنصائح، ويقول الإمام عليه السلام:
«أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ فِيمَا تَبَيَّنْتُ مِنْ إِدْبَارِ الدُّنْيَا عَنِّي، وَجُمُوحِ [١] الدَّهْرِ عَلَيَّ وَإِقْبَالِ
[١]. «جُمُوح» بمعنى التمرد والطغيان، و «جَمُوح» على وزن «قبول» وفي الأصل تعني الحيوان المتمردوالمنفلت، ثم اطلقت على كل إنسان منفلت ومتمرد بل تطلق أيضاً على الحوادث والقضايا التي تخرج عن اختيار الإنسان.