نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٨ - ١ مقارنة شجاعة الإمام عليه السلام بالأعداء
الأخرى، والشاهد على هذا الكلام أنّ الإمام عليه السلام قال: «مَا اسْتَبْدَلْتُ دِيناً، وَلَا اسْتَحْدَثْتُ نَبِيّاً» أيّ أنّني لم أغيّر ولم ابتدع في الدين شيئاً، وعلى ضوء ذلك فإنّ ما ذهب إليه جمع من شرّاح نهج بالبلاغة في جملة «تَرَكْتُمُوهُ طَائِعِينَ» وأنّها تعود إلى عدم قبولهم للإسلام قبل فتح مكة، لا يبدو تفسيراً صحيحاً نظراً لما ذكره الإمام عليه السلام عن نفسه، وخاصّة أنّ مفردة «ترك» تقال في مورد يكون الإنسان قد قِبل شيئاً قبل ذلك أو ذهب إلى مكان معيّن وتركه بعد ذلك.
تأمّلان
١. مقارنة شجاعة الإمام عليه السلام بالأعداء
من النقاط الملفتة للنظر ما ذكره أصحاب السير والتواريخ عن مقدار شجاعة معاوية وعمرو بن العاص، فالمؤرّخ المعروف «الواقدي» وطبقاً لما نقله ابن أبيالحديد عنه في شرح نهجالبلاغة يقول:
«قال معاوية يوماً- بعد استقرار الخلافة له- لعمرو بن العاص: ياأباعبداللَّه لا أراك إلّاويغلبني الضحك، قال: بماذا؟ قال: أذكر يوم حمل عليك أبو تراب في صفّين فأزريت نفسك فرقاً من شبا سنانه، وكشفت سوءتك له. قال عمرو بن العاص: أنا منك أشدّ ضحكاً، إنّي لأذكر يوم دعاك إلى البراز فانتفخ سحرك وربا لسانك في فمك، وغصصت بريقك، وارتعدت فرائصك، وبدا منك ما أكره ذكره لك، فقال معاوية: لم يكن هذا كلّه، وكيف يكون ودوني عكّ والأشعريّون!، قال: إنّك لتعلم أنّ الذي وصفت دون ما أصابك، وقد نزل ذلك بك ودونك عكّ والأشعريون، وكيف كانت حالك لو جمعكما مأقط الحرب. فقال: ياأبا عبداللَّه خض بنا الهزل إلى الجدّ «إنَّ الجُبنَ وَالفِرارَ مِنْ عَلِيٍّ لا عارَ عَلى أَحَدٍ فِيهِما» [١].
[١]. ومن النقاط التاريخية الملفتة للنظر ما وقع نظير هذه القصة عن بسر بن ارطاة الذي يعتبر من شجعان العرب، فينقل ابن عبد البر في كتابه الاستيعاب (ج ١، ص ١٦٤) أنّ بسر كان حاضراً مع معاوية في صفّين، فشجّعه معاوية على قتال أميرالمؤمنين وقال: «كان بسر من الأبطال الطغاة وكان مع معاوية بصّفين، فأمره أن يلقى علياً عليه السلام في القتال، وقال له: إنّي سمعتك تتمنّى لقاءه، فلو أظفرك اللَّه به وصرعته حصلت على الدنيا والآخرة، ولم يزل يشجّعه ويمنّيه حتى رأى عليّاً عليه السلام في الحرب، فقصده والتقيا فصرعه عليّ عليه السلام، وعرض له معه مثل ما عرض له مع عمرو بن العاص في كشف السوأة» (شرح نهجالبلاغة لابن أبيالحديد، ج ٦، ص ٣١٦ و ٣١٧).