نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٩ - الشرح والتفسير ما أنت وقتلة عثمان؟!
من عشرة آلاف رجل في أيديهم السيوف وهم يقولون: كلّنا قتلته، فبهت أبوهريرة وأبوالدرداء، ثم رجعا إلى معاوية وهما يقولان: لا يتمّ هذا الأمر أبداً، فأخبراه بالخبر، فإذا كان القائلون والمتعصبون لهم بهذه الكثرة فكيف يمكنه عليه السلام تسليمهم وتمكين أحد منهم؟» [١].
عندما يكون قتلة عثمان بهذا العدد من الكثرة فهل يستطيع الإمام عليه السلام أن يسلّمهم جميعاً أو يسلّم أحدهم إلى معاوية على فرض أنّ معاوية وليّ دم عثمان وأنّه يريد إقامة الحقّ والعدالة؟
ولكن بما أنّ معاوية في ختام رسالته هدّد الإمام عليه السلام بالقتال والحرب، فقد أجابه الإمام عليه السلام على هذا التهديد بالمثل وكتب في ختام رسالته عبارة شديدة اللهجة زاخرة بأنواع الفصاحة والبلاغة وقال: «وَلَعَمْرِي لَئِنْ لَمْ تَنْزِعْ عَنْ غَيِّكَ [٢] شِقَاقِكَ [٣] لَتَعْرِفَنَّهُمْ عَنْ قَلِيلٍ يَطْلُبُونَكَ، لَايُكَلِّفُونَكَ طَلَبَهُمْ فِي بَرٍّ وَلَا بَحْرٍ، لَاجَبَلٍ وَلَا سَهْلٍ، إِلَّا أَنَّهُ طَلَبٌ يَسُوءُكَ وِجْدَانُهُ، وَزَوْرٌ [٤] لَايَسُرُّكَ لُقْيَانُهُ [٥]، وَالسَّلَامُ لِأَهْلِهِ».
وهنا يذكّر الإمام عليه السلام بهذه العبارة الحكيمة معاوية بأنّ قتلة عثمان ليس كما تحسب أنّهم نفر قليل (على فرض أن يكونوا في جيشي) بل هم جماعة عظيمة سيأتونك سراعاً فلا تكلّف نفسك جهد البحث عنهم، أجل فعمّا قليل سيأتونك تباعاً وسيواجهونك في ميدان القتال وستعرف منهم ضربات السيوف والرماح وسوف تدور الدائرة عليك فلا تستطيع أن تتمسّك بعد ذلك بهذه الذريعة الواهية.
والواقع أثبت صحّة هذا الكلام ولولا بعض السذّج والمخدوعين في جيش
[١]. ترجمة شرح نهجالبلاغة ابن ميثم، ج ٤، ص ٦٢٨، ومثل هذه الرواية وردت بتفاوت يسير في كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي، ج ٣، ص ٦١، ونقلنا عن أبيمسلم الخولاني مثله.
[٢]. «غيّ» و «غواية» بمعنى ضلال وإضلال بمعنى الوقوع في المتاهة.
[٣]. «شقاق» بمعنى الفرقة والنفاق وعدم الانسجام، وهي بالأصل الشق وانفصال الجانبين في الشيء.
[٤]. «زَور» تارة تأتي بمعناها المصدري وتعني اللقاء والملاقاة، وأحياناً تأتي بمعنى الزائر، وفي الجملة وردت بالمعنى الأول.
[٥]. «لقيان» و «لقاء» مصدر بمعنى الملاقاة.