نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٢ - الشرح والتفسير المستقبل المظلم والافق المشؤوم للعدو!
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام يرسم مستقبل معاوية وأعوانه والحرب ضدّهم ويتنبّأ له بالافق المظلم ويقول: «فَكَأَنِّي قَدْ رَأَيْتُكَ تَضِجُّ مِنَ الْحَرْبِ إِذَا عَضَّتْكَ [١] ضَجِيجَ الْجِمَالِ [٢] بِالْأَثْقَالِ».
وكما هو معلوم فإنّ هذه النبوءة قد تحقّقت على أرض الواقع في معركة صفّين عندما ضيّق جيش الإمام الخناق على جيش معاوية، ووصل مالك الأشتر على مقربة من سرادق معاوية، ولم يبق إلّاالقليل ليصل إليه ويقتله، وفي ذلك الوقت ارتفع صراخ معاوية وأتباعه طالبين إنهاء القتال برفع المصاحف.
وفي تنبّؤ آخر يقول الإمام عليه السلام: «وَكَأَنِّي بِجَمَاعَتِكَ تَدْعُونِي جَزَعاً مِنَ الضَّرْبِ الْمُتَتَابِعِ، وَالْقَضَاءِ الْوَاقِعِ، وَمَصَارِعَ بَعْدَ مَصَارِعَ، إِلَى كِتَابِ اللَّهِ، وَهِيَ كَافِرَةٌ جَاحِدَةٌ، أَوْ مُبَايِعَةٌ حَائِدَةٌ [٣]».
وهذا التنبُّؤ وقع أيضاً بشكل كامل عندما رأى جيش الشام أنّهم عاجزون عن مجابهة أنصار الإمام عليّ عليه السلام وعاشوا المحنة والقتل المتتابع في صفوفهم، رفع جماعة منهم مع عمرو بن العاص المصاحف على رؤوس الرماح وقالوا: إننا نسلّم أمرنا إلى كتاب اللَّه ونحتكم إليه في هذا الأمر، في حين أنّ هذه الجماعة من أهل الشام لا يعتقدون بكتاب اللَّه ويكفرون بما أنزل اللَّه، لأنّهم لم يبايعوا إمام الحقّ، وفيهم جماعة أخرى ممّن بايع الإمام عليه السلام ولكنّهم نكثوا بيعتهم خلافاً لجميع الأصول والمبادىء الإسلاميّة المعروفة والتقاليد العربية، والتحقوا بمعاوية وأعداء الإمام في هذه الواقعة.
وطبعاً ربّما يثير البعض هذا السؤال، وهو أنّ تعبير الإمام عليه السلام هذا يفتح المجال أمام استغلال الأعداء لكتاب اللَّه عندما يشاهدوا نهايتهم المخزية على الأبواب،
[١]. «عضّ» من «العضّ» بمعنى الامساك بالأسنان.
[٢]. «جمال» جمع «جمل» بمعنى الإبل؛ مثل «جبال» جمع «جبل».
[٣]. «حائدة» بمعنى المائلة عن الطريق المستقيم من مادة «حيد» على وزن «صيد» أي الميل إلى أحدى الجهات، وهذه المفردة تأتي بمعنى نقض البيعة.