نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٣ - الشرح والتفسير فصل آخر من القيم الأخلاقية في الحرب
تُجْهِزُوا [١] عَلَى جَرِيحٍ».
إنّ هذه التوصيات الثلاثة تتّسم بالطابع الأخلاقي بشكل كامل لأنّ الغرض من الحرب هو كسر مقاومة العدو والتصدّي لحركته، لا مجرّد الانتقام، فالشخص الذي فرّ من الميدان وترك القتال فلا معنى لقتله، وكذلك الشخص العاجز الذي عجز عن المقاومة فإنّ الاجهاز عليه وقتله يتنافى مع المثل الإنسانية والقيم الأخلاقية، كالشخص الذي فقد سلاحه في المعركة أو عجز عن القتال وحمل السلاح ضدّ الجيش الإسلامي، فلا يمثّل خطراً على أفراد الجيش، ومن هذا القبيل الجريح الذي سقط ولم تبق له قدرة على المقاومة والقتال، فالإجهاز على مثل هؤلاء يتقاطع مع المبادىء الإنسانية.
ويثير العلّامة التستري في شرح نهجالبلاغة هذا السؤال هنا، وهو أنّه يستفاد من بعض الروايات كالرواية التي ينقلها الكليني في (الجزء الخامس من الكافي) أنّ الإمام عليّ عليه السلام أصدر مثل هذا الأمر في معركة الجمل وأصدر أمراً بخلافه في معركة صفّين وأذن بقتل الهاربين والمجروحين.
ولكن ورد في رواية أخرى الجواب عن هذا السؤال، فالإمام الصادق عليه السلام يقول:
«لَيْسَ لِأَهْلِ الْعَدْلِ أَنْ يَتْبَعُوا مُدْبِراً وَلَا يَقْتُلُوا أَسِيراً وَلَا يُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ وَهَذَا إِذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ أَحَدٌ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ يَرْجِعُونَ إِلَيْهَا، فَإِذَا كَانَ لَهُمْ فِئَةٌ يَرْجِعُونَ إِلَيْهَا فَإِنَّ أَسِيرَهُمْ يُقْتَلُ وَمُدْبِرَهُمْ يُتْبَعُ وَجَرِيحَهُمْ يُجْهَزُ عَلَيْهِ» [٢].
وخلاصة الكلام أنّ رعاية هذه المبادىء الإنسانية والقيم الأخلاقية في الحرب، ترتبط في موارد يكون جيش العدو قد مُنيّ بالهزيمة وتبعثرت قواه وقدراته القتالية
[١]. «لا تُجْهِزُوا» من «الإجهاز» بمعنى التسريع وقتل المجروحين وإنهاء حياتهم، وهذا يشبه ما يطلق عليه حالياً برصاصة الرحمة.
[٢]. الكافي، ج ٥، ص ٣٣، ح ٢.