نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٢٦ - الشرح والتفسير الغاية من الخلق
وفي آية أخرى يقول: «قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ» [١].
أجل، فالإنسان مهما شكّ في أيّ شيء فإنّه لا يستطيع الشكّ في هذه الحقيقة الحاسمة، وهي أنّه سيأتي اليوم الذي لابدّ أن يرحل من هذا العالم، وهذا اليوم غير معلوم، لا في تاريخه ولا في الساعة أو الدقيقة، فربّما يكون بعيداً وربّما يكون قريباً جدّاً، اليوم أو غد، والملفت أنّه لا يوجد أيّ استثناء لهذا القانون، فأصحاب القدرة والثروة والأطبّاء الحاذقون وحتّى الأنبياء والأولياء يخضعون لهذا القانون، والقرآن الكريم يخاطب النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله بقوله: «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ» [٢].
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام يشير إلى نقطة مهمّة هي آخر تحذير في هذا المقطع من الوصيّة ويقول: «فَكُنْ مِنْهُ عَلَى حَذَرِ أَنْ يُدْرِكَكَ وَأَنْتَ عَلَى حَالٍ سَيِّئَةٍ، قَدْ كُنْتَ تُحَدِّثُ نَفْسَكَ مِنْهَا بِالتَّوْبَةِ، فَيَحُولَ بَيْنَكَ بَيْنَ ذَلِكَ، فَإِذَا أَنْتَ قَدْ أَهْلَكْتَ نَفْسَكَ».
وفي هذا التحذير والإنذار يلفت الإمام عليه السلام نظر ولده إلى هذه الحقيقة، وهي أنّ زمان الموت مبهم وغير معلوم في كلّ الأحوال، فأحياناً يرتكب الإنسان معصيةً وينوي التوبة وتطهير صحيفة أعماله من لوث هذه المعصية بعد ذلك، ولكنّ الموت يفاجئه بغتة ويسلب منه هذه الفرصة، وكلّنا رأينا أو سمعنا في حياتنا بعض الأشخاص الذين أرادوا القيام بأعمال حسنة أو سيئة ولكنّ الموت باغتهم في تلك اللحظة فلم يستطيعوا إنجاز ما عزموا عليه، ولم ينالوا بغيتهم.
وفي هذه الأيّام التي نكتب فيها شرحاً لهذه الوصيّة سمعنا خبراً من أجهزة الإعلام أنّ مهرجاناً اقيم في بلدنا لأحد العلماء المعروفين، وقد اشترك في ذلك المهرجان جماعة من الشخصيات والمدعوين وجلس ذلك العالم وهو ينتظر بفارع الصبر استلام الجائزة، وفجأة في ذلك المكان حان أجله واصيب بسكتة قلبية، وانتهى كلّ شيء [٣].
[١]. سورة الأحزاب، الآية ١٦.
[٢]. سورة الزمر، الآية ٣٠.
[٣]. كان المرحوم الدكتور باقر آية اللَّه زاده الشيرازي استاذاً قديراً في مجال الترميم والعمران، وله إعتقادات دينية قوية وعميقة، وقد ابتدأ بهذه الآية الشريفة «إِنَّا لَانُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا» (الكهف، الآية ٣٠) في محاضرته في ذلك المهرجان.