نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٨٨ - الشرح والتفسير ثمان وعشرون موعظة أخرى
التاسعة: «وَالصَّاحِبُ مُنَاسِبٌ [١]». أي حاله حال أقرباء الإنسان وأرحامه.
وهذا إشارة إلى أنّ رابطة الصداقة تارة تكون قوية إلى درجة أنّها تحلّ محلّ رابطة القرابة والنسب، بل تارة تكون أقوى من ذلك، وهناك مثل معروف يقول أنّه سئل شخص: أيّهما أفضل الصديق أم الأخ؟ فقال: الأخ الصديق أفضل، وهناك مثل معروف أيضاً لدى العرب حيث يقال: «الصَّديقُ نَسيبُ الرُّوحِ وَالْأَخُ نَسيبُ الْبَدَنِ» [٢].
وقد نستوحي من هذا الكلام هذه النتيجة، وهي أنّ ذات الحقوق المقرّرة للأرحام والأقرباء ينبغي أخذها بنظر الاعتبار من الأصدقاء الجيّدين أيضاً.
العاشرة: يقول: «وَالصَّدِيقُ مَنْ صَدَقَ غَيْبُهُ».
وهو إشارة إلى الأشخاص الذين يظهرون المحبّة والعشق والعلاقة في حضور المرء، ولكن ربّما لا يكون ذلك علامة حقيقية على صدقهم وصداقتهم، فالصديق الواقعي إنّما يتبيّن في غياب صديقه ويراعي حقوقه في غيبته كما في حال حضوره ويتحدّث عنه في غيبته كما يتحدّث أمامه.
الحادية عشر: يشير الإمام عليه السلام في هذه التوصية إلى نقطة مهمّة أخرى ويقول:
«وَالْهَوَى شَرِيكُ الْعَمَى»، فكما أنّ الأعمى لا يرى ما حوله من الأجسام حتّى لو كانت قربية منه ومجاورة له، فإنّ اتّباع الدنيا والسالكين في خطّ الأهواء محرومون من الحقائق الجليّة، لأنّ حجاب الهوى يعتبر أشدّ الحجب ظلاماً ولا توجد آفة للمعرفة أضرّ وأسوء من هذه الآفة.
يقول القرآن الكريم: «أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْديهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ» [٣].
[١]. «مناسب» من مادة «نسب» وجاءت هنا بمعنى الأقرباء.
[٢]. شرح نهجالبلاغة لابن أبيالحديد، ج ١٦، ص ١١٧.
[٣]. سورة الجاثية، الآية ٢٣.