نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٨ - الشرح والتفسير إطفاء نار الفتنة بماء المداراة
وقد ذهب شرّاح نهجالبلاغة إلى أنّ العامل للقرابة النسبية والرحم بين بني تميم وبني هاشم أنّهما يشتركان في الجد الأعلى وهو (إلياس بن مضَر)، وطبقاً لهذا الكلام فإنّ هاشم يصل إلى إلياس بثلاثة عشر واسطة، وكذلك بني تميم أيضاً يصلون إليه بوسائط كثيرة، ولكن بما أنّ الرحم في الإسلام تحظى بأهمية بالغة، فالإمام عليه السلام يؤكّد على أنّ هذا المقدار من الوسائط الكثيرة بيننا وبينهم لا يمنع من اعتبارهم من الأرحام والأقرباء، أضف إلى ذلك أنّ البعض ذهب إلى وجود رابطة سببية بين هاشم وتميم من طريق الزواج العائلي، وذهب بعض أيضاً إلى أنّ أحد زوجات الإمام عليّ عليه السلام واسمها ليلى بنت مسعود الحنظلية من بني تميم؛ ولكن مع الالتفات أنّ الارتباط السببي لا يسمّى رحماً بل يقتصر الرحم على الرابطة النسبية، فإنّ هذين التفسيرين يبتعدان عن الحقيقة.
ويرى ابن أبيالحديد وبعض آخر من المؤرّخين فضائل الأخرى لبني تميم حيث يستفاد من مجموعها أنّ هذه القبيلة تحظى بامتيازات كبيرة في الواقع الاجتماعي العربي.
ويستفاد من سياق كلام أمير المؤمنين عليه السلام أنّ مسألة صلة الرحم تحظى بأهمية كبيرة في الإسلام بحيث إنّ هذا الحكم الإسلامي يمتدّ من الأرحام ويتناول حتّى
من كان يرتبط بفاصلة بعيدة من الآباء والأجداد، يقول الإمام عليه السلام: إنّك لو لم تحفظ هذه القرابة والرحم فستكون أمام اللَّه مسؤولًا ومحكوماً وإن وصلتها فستكون مصدر الخير والبركة.
وفي ختام هذه الرسالة يأمر الإمام عليه السلام ابن عباس بمداراة المخالفين بشكل عامّ وبني تميم بشكل خاصّ ويقول: «فَارْبَعْ [١] أَبَا الْعَبَّاسِ، رَحِمَكَ اللَّهُ، فِيمَا جَرَى عَلَى لِسَانِكَ وَيَدِكَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ! فَإِنَّا شَرِيكَانِ فِي ذَلِكَ، وَكُنْ عِنْدَ صَالِحِ ظَنِّي بِكَ، وَلَا يَفِيلَنَ [٢] رَأْيِي فِيكَ، وَالسَّلَامُ».
[١]. «أربع» من «الربوع» بمعنى المداراة وضبط النفس.
[٢]. «يفيل» من مادة «فيل» على وزن «ميل» بمعنى الخطأ أو الضعف.