نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٢ - الشرح والتفسير تقوية عزائم الجند
الأشخاص الذين يمارسون الصراخ والصياح في ميدان القتال ربّما يتبادر إلى ذهن العدو أنّ ذلك ناشىء من خوفهم ووحشتهم، وبالتالي يؤدّي ذلك إلى رفع معنويات العدو من جهة، ومن جهة أخرى ربّما يفضي الصياح إلى استنزاف القوى الجسمية والفكرية لهؤلاء الرجال ويقلّل من قدرتهم على مقاومة العدو، ولهذا السبب يأمر الإمام عليه السلام بعدم صرف الطاقات في الصياح والصراخ، والالتفات بشكل كامل إلى مواجهة العدو في ميدان العمل والممارسة.
وطبعاً هذا العمل لا يتنافى مع رفع الأصوات بالتكبير عند تحقّق النصر، وحتى التكبير ينبغي أن يكون محدوداً ومحسوباً ولا ينبغي الإفراط فيه لأنّ ذلك مخالف لهذا التوصية.
ولهذا السبب ورد في كتب التاريخ عن واقعة بدر أنّ المشركين عندما شاهدوا جيش الإسلام بعددهم القليل في مقابل جيش الكفر والشرك، تصوّروا أنّ مجموعة من المسلمين تكمن لهم خلف التلال حتى تسنح لهم الفرصة المناسبة ويهجموا على قوى الشرك، ولذلك أرسلوا عمر بن وهب للتحقّق في هذا الأمر والبحث عن الكمين في نواحي المنطقة، فتوجّه عمر بن وهب لاستطلاع الموقف ورأى أنّ مواقع جيش الإسلام مستحكمة ورصينة فرجع إلى موقعه وقال لقادة جيش الشرك: إنّ المسلمين ليس لديهم أيّ كمين أو مدد غير الثلّة الحاضرة في الميدان، ولكنني أظنّ أنّ إبل يثرب المحمّلة ستحمل الموت لكم، ثم أضاف: «أَمَا تَرَوْنَهُمْ خُرْسٌ لَايَتَكَلَّمُونَ يَتَلَمَّظُونَ تَلَمُّظَ الْأَفَاعِي مَا لَهُمْ مَلْجَأٌ إِلَّا سُيُوفَهُمْ وَمَا أَرَاهُمْ يُوَلُّونَ حَتَّى يُقْتَلُوا وَلَا يُقْتَلُونَ حَتَّى يَقْتُلُوا بِعَدَدِهِمْ فَارْتَئُوا رَأْيَكُم» [١].
ثم يبيّن الإمام عليه السلام في ختام هذا الكلام نقطة أخرى وهي في الواقع تعتبر جواباً عن سؤال مقدّر أو مذكوراً في كلمات أصحابه عندما تصوّروا أنّ معاوية وأتباعه هم
[١]. بحار الأنوار، ج ١٩، ص ٢٥٢.