نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٠ - الشرح والتفسير كيف يجلس المحكوم للحكم والقضاء؟
وفي الجملة الثالثة يقول: صحيح أنّ المهاجرين والأنصار استطاعوا تحقيق النصر والغلبة في مواجهاتهم الحاسمة لقوى الكفر والشرك والوثنية، وأنّ أعداء الإسلام والمشركين انهزموا من الميدان، ولكن ذلك يتعلّق بالنبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله والصحابة، وما أنت وهؤلاء حتّى تتحدّث عن انتصار المسلمين وهزيمة الكفّار بوصفها أحد افتخاراتك!
وجملة: «فَمَا عَلَيْكَ ...» التي تبتدىء بفاء التفريع، إشارة إلى هذه الحقيقة، وهي أنّك امرؤ تعيش التخلّف والتأخّر في مراتب الإسلام حيث أسلمت ظاهراً أنت وأبوك أبوسفيان في آخر لحظات الدعوة الإسلاميّة وانتصار الرسالة على قوى الشرك، فمن هذا المنطلق فأنت تقع كلياً خارج هذا البحث ولا يمكن أن تجلس للتحكيم بين المهاجرين الأولين وتعيين مراتبهم ودرجاتهم.
وفي الجملة الرابعة والأخيرة يضيف الإمام عليه السلام: «وَإِنَّكَ لَذَهَّابٌ فِي التِّيهِ، رَوَّاغٌ عَنِ الْقَصْدِ».
«التيه» في الأصل بمعنى الحيرة، ثمّ اطلق على الصحراء التي لا يوجد فيها طريق للخروج منها، بحيث يبقى الإنسان حائراً فيها لا يهتدي سبيلًا، كما هو الحال في صحراء سيناء في سنوات «تيه» بني اسرائيل حيث بقوا في هذا التيه أربعين سنة.
والإمام عليه السلام في هذه الجملة الأخيرة يرى أنّ مسار معاوية في هذه القضية على خطأ من جهتين: الاولى: أنّه قد أوصل نفسه إلى وادٍ لا يمكن الخروج والنجاة منه وأنّ طريقه ومقصده غير معلوم، والأخرى: أنّه على فرض وضوح الطريق والمقصد، فإنّ معاوية لم يختر لنفسه الطريق القويم، بل انحرف عن هذا المسير وتوغّل في دروب الضلالة والانحراف والتيه.
«روّاغ» صيغة مبالغة من مادة روغ (على وزن ذوق) وتعني الحركات الانحرافية التي تقود صاحبها تارة إلى هذه الجهة وأخرى إلى تلك، فيقال: إنّ الثعلب يتحرّك بمثل هذه الحركة حتى لا يقع في المصيدة، والإمام يقول لمخاطبه هنا: أنت تتحرّك دوماً من هذه الجهة إلى تلك الجهة من موقع المكر والحيلة ولا تتحرّك أبداً في