نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٤ - الشرح والتفسير شمول الرأفة الإسلاميّة لجميع الناس
وسوء معاملته للرعيّة، في البداية أشار الإمام عليه السلام إلى العنف، والأخرى إلى القساوة وعدم الشفقة، والثالثة تحقير هؤلاء الرعية، والرابعة سوء معاملته لهم، وبالرغم من أنّ هذه المفاهيم تتماثل وتقترب في المضمون، لكن هناك فروق دقيقة بينها، ولذلك أشار الإمام عليه السلام إلى جميع هذه الأمور وأعلن بعد ذلك عن رأيه المبارك في القضية، وهو أنّه من جهة ينبغي الالتفات إلى أنّ هؤلاء مشركون، لأنّ المجوس يعتقدون بالثنوية والمصدرين للخلق، وهما يزدان وأهريمن مصدرا الخير والشر، ورغم أنّ الزرادشتين في هذا العصر يدّعون أنّهم موحّدون وغير مشركين، ولكن المنابع الدينية لهم تقرّر خلاف ذلك، وعلى أيّة حال فالإمام عليه السلام مع ملاحظة التفاوت الاعتقادي بينهم وبين المسلمين، ينهى عن الاقتراب منهم أكثر من الحدّ اللازم، وفي ذات الوقت يذكّر الوالي بهذه النقطة، وهي أنّ هؤلاء من أهل الذمّة يعني أنّهم يعيشون مع المسلمين من موقع الصلح والسلم ويتعهدون باحترام الإسلام وأحكامه الإلهيّة، والحكومة الإسلاميّة بدورها تتعهد بالدفاع عنهم وعن أعراضهم وأموالهم وتتعامل معهم بلغة العطف والإحسان، وعلى هذا الأساس فإنّ استخدام القسوة وسوء التعامل معهم يعتبر منافياً للشرع والخلق الإسلامي.
ثم يبيّن الإمام عليه السلام هذه الحقيقة ويقول: «فَالْبَسْ لَهُمْ جِلْبَاباً [١] مِنَ اللِّينِ تَشُوبُهُ بِطَرَفٍ مِنَ الشِّدَّةِ، وَدَاوِلْ [٢] لَهُمْ بَيْنَ الْقَسْوَةِ وَالرَّأْفَةِ، وَامْزُجْ لَهُمْ بَيْنَ التَّقْرِيبِ وَالْإِدْنَاءِ، وَالْإِبْعَادِ الْإِقْصَاءِ. إِنْ شَاءَ اللَّهُ».
وبديهيّ أنّ مثل هذا الأسلوب في التعامل مع غير المسلمين الذين يعيشون في
[١]. «جلباب» بكسر وفتح الجيم، ذكروا لهذه الكلمة معانٍ مختلفة فتارة تأتي بمعنى العباءة والملحفة، وأخرىالمقنعة وغطاء الرأس، والثالثة الثوب الطويل والواسع، وفي الرسالة مورد البحث قصد بها الكناية، والمراد الغطاء واللباس المعنوي الذي يرتديه المدير والقائد لجماعة من الناس حيث يوصيه الإمام عليه السلام بلزوم التحلّي بحالة تقترن فيها الشدة باللين.
[٢]. «داوِل» صيغة أمر من «المُداولة» بمعنى تحويل الأمر من شخص لآخر بإدارته وإدارة الأمر واستبدال شيءبشيء أو شخص بدل شخص آخر، والمراد من هذه المفردة من العبارة أعلاه أن تتعامل معهم أحياناً بالمودة والمحبة وأخرى بشيء من القسوة والشدّة.