نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٦٠ - الشرح والتفسير سبع وعشرون موعظة ثمينة
يجتنب الجهد العقيم والسعي غير المثمر، وجميع الروايات التي تشير إلى تقدير الرزق، ناظرة إلى هذا المعنى.
وفي التوصية الثانية والعشرين يضيف الإمام عليه السلام: «التَّاجِرُ مُخَاطِرٌ [١]».
فالتاجر لا ينتفع ويربح من تجارته دائماً، وكما يقال إنّ التجارة نوع من الحظّ، ومن هنا فالإنسان ينبغي أن يتحلّى بالشجاعة ويتوكّل على اللَّه ولا يخشى من الأضرار المحتملة ولا يفقد أمله من مواجهة الضرر والخسارة، فالتاجر يجب أن يسعى ويبذل جهده في هذا السبيل مع التدبّر في معطيات هذا المسير ومخاطره، ولكن إذا واجه ضرراً وخسارة، فلا ينبغي له أن يتألم ويحزن.
ويحتمل أن تكون هذه الجملة إشارة إلى الأبعاد المعنوية للتجارة، لأنّ التاجر تتلوّث أمواله أحياناً بالحرام وتواجه سعادته الخطر من ذلك، وعلى ضوء ذلك يجب عليه الانتباه من الوقوع في هذه الأخطار وخاصّة في عصرنا الحاضر الذي ازدادت فيه الأموال الحرام والتجارة غير المشروعة وأحياناً تسدل الأرباح الوفيرة حجاباً على عقل الإنسان وتقود التاجر إلى التورّط في مهاوي الذنوب والانحراف.
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام يستعرض التوصية الثالثة والعشرين ويقول: «وَرُبَّ يَسِيرٍ أَنْمَى مِنْ كَثِيرٍ».
إشارة إلى أنّ الإنسان لا ينبغي أن ينظر إلى كمية الأعمال والأفعال، بل المهمّ الكيفية والنوعية، فكم من الأعمال القليلة وبكيفية أفضل وإخلاص أوفر تعطي ثماراً أكثر، يقول القرآن الكريم: «الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» [٢].
وهنا احتمال آخر في تفسير هذه الجملة، وهي أنّ الإنسان لا ينبغي أن يهتمّ في حياته الماديّة بزيادة رأس ماله وثروته، وربّما يكون الرأسمال القليل حلالًا
[١]. «مخاطر» الذي يلقي نفسه في الخطر.
[٢]. سورة الملك، الآية ٢.