نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٤ - الشرح والتفسير لا تتساهل في هذه الوصيّة
اللَّه ورزقه، بل بمعنى أن يستخدم الإنسان جميع طاقاته وقدراته في سبيل الوصول إلى أغراضه، ويتحرّك على مستوى إزاحة الموانع وحلّ المشكلات، ولكن بما أنّ بعض هذه المشاكل والأزمات ربّما يكون حلّها خارج طاقة الإنسان وفوق قدرته وإمكاناته، فإنّه يلتجىء إلى لطف اللَّه تعالى ورحمته الواسعة ويلوذ بقدرته المطلقة ليتسنّى له السيطرة على تلك المشاكل.
ثمّ يشير الإمام عليه السلام إلى مسألة الإخلاص ويقول: «وَأَخْلِصْ فِي الْمَسْأَلَةِ لِرَبِّكَ، فَإِنَّ بِيَدِهِ الْعَطَاءَ وَالْحِرْمَانَ».
الإخلاص بدوره يعدّ من ثمرات الإيمان بالتوحيد الأفعالي أيضاً، لأنّ الإنسان عندما يعلم يقيناً بأنّه: «لا مُؤَثِّرَ في الْوُجُودِ إِلَّا اللَّهُ» فيكون حينئذٍ الرزق والحرمان بيد اللَّه تعالى، وعندما يؤمن بهذا الأمر من موقع الاطمئنان القلبي فسوف لا يطلب شيئاً من غيره، ويتوجّه إليه بإخلاص وصفاء نيّة ويسأله حاجاته، ومن هنا فقد ورد في الروايات الشريفة أنّ المرائين مشركون، يقول الإمام الصادق عليه السلام: «كُلُّ رِيَاءٍ شِرْكٌ إِنَّهُ مَنْ عَمِلَ لِلنَّاسِ كَانَ ثَوَابُهُ عَلَى النَّاسِ وَمَنْ عَمِلَ للَّهِ كَانَ ثَوَابُهُ عَلَى اللَّهِ» [١].
وتشير هذه الجملة ضمناً إلى هذه الحقيقة، وهي أنّ الإنسان لا ينبغي له أن يطلب حاجاته إلّامن الباري تعالى، وإن توجّه لغير اللَّه في بعض الحاجات طبقاً لما يفرضه عالم الطبيعة من أسباب وعلل مادية وطبيعية، فيجب أن يعلم أيضاً بأنّ المؤثر الحقيقي هو اللَّه تعالى، وأنّ إرادته غالبة على كلّ شيء، وأنّ مشيئته مهيمنة على مشيئة عباده، فجملة «فَإِنَّ بِيَدِهِ الْعَطَاءَ وَالْحِرْمَانَ»، تقرّر هذه الحقيقة الغيبية.
وفي التوصية الثالثة يقول الإمام عليه السلام: «وَأَكْثِرِ الاسْتِخَارَةَ»، أي اطلب من اللَّه الخير والصلاح في الحياة.
وللاستخارة معنيان: أحدهما الاستخارة المتداولة بين الناس في هذه الأيّام، فكلّ مشكلة يواجهها الإنسان ولا يستطيع حلّها بقوّة عقله أو بواسطة التشاور مع
[١]. الكافي، ج ٢، ص ٢٩٣، ح ٣.