نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٩ - الشرح والتفسير
معاوية ذريعة للتمرّد في مقابل الإمام عليه السلام كما سبقه بذلك طلحة والزبير أيضاً، يقول الإمام عليه السلام: «وَلَعَمْرِي، يَا مُعَاوِيَةُ، لَئِنْ نَظَرْتَ بِعَقْلِكَ دُونَ هَوَاكَ لَتَجِدَنِّي أَبْرَأَ النَّاسِ مِنْ دَمِ عُثْمَانَ، وَلَتَعْلَمَنَّ أَنِّي كُنْتُ فِي عُزْلَةٍ عَنْهُ إِلَّا أَنْ تَتَجَنَّى [١]، فَتَجَنَ [٢] مَا بَدَالَكَ، وَالسَّلَامُ».
إنّ من القضايا العجيبة في تاريخ صدر الإسلام أنّ جماعة كانوا في زمن خلافة عثمان قد رفعوا لواء المخالفة الشديدة له، وحتى كان لهم دور مباشر أو غير مباشر في قتله، ولكن بعد مقتل عثمان تغيّر مسارهم فجأة وأخذوا يطالبون بدمه وبالثأر له ويذرفون عليه وعلى مظلوميته دموع التماسيح، ومثل هذا التغيير في المسار لا يعدّ أمراً عجيباً في أمر السياسة، ولكن كيف يمكن تبرير مثل هذه السلوكيات عندما تصدر ممّن يدّعون الإسلام ويعتبرون أنفسهم من قادة المسلمين؟
إنّ حادثة قتل عثمان والعوامل التي أدت إلى إثارة الناس ضدّه وكذلك الحوادث التي وقعت في هذه القضية التاريخية، وكذلك مسألة إجبار الثوّار عثمان على التوبة واعتزال الخلافة وقبول عثمان للتوبة وعدم قبوله الاعتزال عن مقامه وكذلك دفاع أميرالمؤمنين عليه السلام عنه ومنع الثوّار من قتله لئلّا تتّسع دائرة الفتنة وتعمّ جميع مناطق البلاد الإسلاميّة، وأيضاً كيفية قتل عثمان والحوادث التي وقعت بعد مقتله كلّها تعدّ من المسائل المهمّة في تاريخ الإسلام، التي تستدعي الدقّة والتمعّن لاكتشاف الحقائق الكامنة في طيّات التاريخ لهذه الواقعة.
وقد أسلفنا في البحوث السابقة بعض الأمور عن حقيقة ما جرى في هذه الواقعة في الجزء الأول من هذه المجموعة في شرح الخطبة الشقشقية وكذلك الجزء الثاني ذيل الخطبة الثلاثين، وكذلك ذيل الخطبة ٤٣ أيضاً.
[١]. «تتجنى» في الأصل من ال «جناية»، وإذا كانت من باب تفعّل فإنّها تعني أنّ شخصاً يريد أن يلقي بالجريمةعلى الآخر في حين أنّ ذلك الشخص لم يرتكبها وهذا هو معنى التهمة.
[٢]. «تجنّ» هذه المفردة فعل أمر من «تجنّى» كما سبق ذكره ومفهوم الجملة أنّك يا معاوية تعلم بأنّ انتساب قتل عثمان إليَّ مجرّد تهمة فإذا كان الأمر كذلك فقل ما شئت وتحدّث بما بدا لك.