نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١٨ - الشرح والتفسير فتح أبواب التوبة والدعاء أمام الإنسان
لجميع الحالات، ففي مورد يقول القرآن الكريم: «ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُم» [١]، وفي مورد آخر يقول: «وَإِذا سَأَلَكَ عِبادي عَنِّي فَإِنِّي قَريبٌ أُجيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعان» [٢].
ويجيب الإمام عليه السلام عن هذا السؤال بالإشارة إلى أربع نقاط:
الاولى: أحياناً تكون نيّة الداعي ملوّثة ولا يصدر الدعاء عن قلب نقيّ وطاهر من الذنوب، يقول: «فَلَا يُقَنِّطَنَّكَ إِبْطَاءُ إِجَابَتِهِ، فَإِنَّ الْعَطِيَّةَ عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ».
وهذا الحديث الشريف الذي قرأناه آنفاً مذكور في كتاب الكافي وأنّ الدعاء إنّما يستجاب إذا صدر من قلب نقيّ وطاهر، وعلى هذا الأساس إذا لم تستجب بعض الأدعية ويستجاب البعض الآخر، فذلك ناشىء من تلوّث النيّة، والروايات التي تقرّر أنّ أحد شرائط استجابة الدعاء التوبة من الذنوب، تشير إلى هذا المعنى أيضاً.
وأشار الإمام عليه السلام إلى المانع الثاني في قوله: «وَرُبَّمَا أُخِّرَتْ عَنْكَ الْإِجَابَةُ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أَعْظَمَ لِأَجْرِ السَّائِلِ، وَأَجْزَلَ لِعَطَاءِ الْآمِلِ».
وببيان آخر أنّ اللَّه تعالى قد يؤخّر استجابة دعاء عبده ليبقى العبد فترة أطول أمام باب بيته، وبالتالي يحصل على مواهب أكثر وأوفر وذلك بسبب محبّة اللَّه لهذا العبد.
ثمّ يشير الإمام عليه السلام إلى المانع الثالث من استجابة الدعاء ويقول: «وَرُبَّمَا سَأَلْتَ الشَّيْءَ فَلَا تُؤْتَاهُ، وَأُوتِيتَ خَيْراً مِنْهُ عَاجِلًا أَوْ آجِلًا».
وهو إشارة إلى أنّك ربّما تطلب شيئاً قليلًا وتافهاً من اللَّه تعالى ولكنّ اللَّه بمقتضى عظمته وسعة رحمته لا يستجيب لك ولا يعطيك ما تطلب، بل يعطيك خيراً منه عاجلًا أو آجلًا، كالشخص الذي يتوجّه لشخص كريم فيطلب منه داراً وضيعة مثلًا ولكن ذلك الكريم لا يقبل ويمتنع عن إعطائه ما يريد، لأنّه سيعطيه فيما بعد داراً أوسع وأفضل ممّا طلب.
[١]. سورة غافر، الآية ٦٠.
[٢]. سورة البقرة، الآية ١٨٦.