نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٨ - الشرح والتفسير الإمام عليه السلام يحذِّر «زياد» مرّة أخرى
وقدّم إلى ربّك الفضل ليوم حاجتك، وادّهن غبّاً، فإنّي سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قال:
«ادّهِنُوا غَبّاً وَلا تَدَّهَنُوا رَفَهاً» [١].
ثمّ يأمره الإمام عليه السلام بالتصدّق في سبيل اللَّه على الفقراء والمحرومين ويقول له أيضاً: إنّ كلامك كلام المحسنين ولكنّ عملك عمل المذنبين والعاصين، فلو كان هذا الأمر حقيقة فإنّك قد ظلمت نفسك وأحبطت عملك [٢].
ومع الالتفات إلى ما تقدّم أعلاه، نصل إلى شرح الرسالة طبقاً لما ذكره السيّد الرضيّ، فالإمام عليه السلام يأمر زياد بن أبيه بأربعة أمور في عبارة موجزة وزاخرة بالمعنى، فيقول في البداية: «فَدَعِ الْإِسْرَافَ مُقْتَصِداً».
وهو إشارة إلى ما كان زياد يهتمّ به من جلب ألوان الأطعمة على مائدته ويتّخذ سبيل المترفين، وهذا الأمر يعتبر مذموماً لجميع المسلمين ولا سيّما للحكّام والولاة المنصوبين من قِبلهم.
وطبعاً فإنّ الإسراف لا ينحصر بالإكثار في الأطمعة وأمثالها، بل الإسراف في كلّ شيء مذموم في الإسلام حتّى في العبادات، حيث توجب أحياناً التعب والملل وزوال الرغبة في العبادة والطاعة.
يقول الإمام الصادق عليه السلام: «وَ إِنَّ الْقَصْدَ أَمْرٌ يُحِبُّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَإِنَّ السَّرَفَ أَمْرٌ يُبْغِضُهُ اللَّهُ حَتَّى طَرْحَكَ النَّوَاةَ فَإِنَّهَا تَصْلُحُ لِلشَّيْءِ وَحَتَّى صَبَّكَ فَضْلَ شَرَابِكَ» [٣].
ثمّ يذكر الإمام عليه السلام التوصية الثانية ويقول: «وَاذْكُرْ فِي الْيَوْمِ غَداً».
وهذا هو ما ورد في القرآن الكريم مراراً كقوله تعالى: «وَمَا تُقَدِّمُوا لِانفُسِكُمْ مِنْ
[١]. نقل المرحوم الحرّ العاملي صاحب كتاب وسائل الشيعة في الجزء الأول، الباب ١٠٢ في آداب الحمام روايات كثيرة حول كيفية الاستفادة من أنواع الدهون لتسبيط الشعر وتنعيم الوجه والبدن بما كان متداولًا في ذلك الزمان ومستحباتها ومكروهاتها، ويستفاد من تعبير الإمام عليه السلام في التعبير أعلاه أنّ الإكثار من استخدام هذه الدهون كان مسلك الأشراف والأثرياء والمترفين في ذلك العصر.
[٢]. ذكر هذا المضمون البلاذري في انساب الأشراف، وابن أبيالحديد في شرح نهجالبلاغة (ج ١٦، ص ١٩٦).
[٣]. بحار الأنوار، ج ٧١، ص ٣٤٦.