نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٠ - الشرح والتفسير الإمام عليه السلام يحذِّر «زياد» مرّة أخرى
فَوْقَ طَاقَتِكَ، فَيَكُونَ ثِقْلُ ذَلِكَ وَبَالًا عَلَيْكَ، وَإِذَا وَجَدْتَ مِنْ أَهْلِ الْفَاقَةِ مَنْ يَحْمِلُ لَكَ زَادَكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَيُوَافِيكَ بِهِ غَداً حَيْثُ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَاغْتَنِمْهُ وَحَمِّلْهُ إِيَّاهُ».
إنّ ما ورد من الصفات الأربع أعلاه هو في الواقع إشارة إلى ما ذكره بعض المطّلعين عن إسراف زياد بن أبيه وخيانته لبيت المال.
ثمّ يشير الإمام عليه السلام إلى نقطة أخرى من نقاط ضعف زياد، وهي التكبّر والغرور في مقابل المحرومين والمستضعفين من الناس ويقول: «أَ تَرْجُو أَنْ يُعْطِيَكَ اللَّهُ أَجْرَ الْمُتَوَاضِعِينَ وَأَنْتَ عِنْدَهُ مِنَ الْمُتَكَبِّرِينَ!».
وبديهيّ أنّ الشخص الذي يتوقّع أن ينال ثواب المؤمنين، يجب عليه أن يعمل عملهم ولا يعيش التناقض والازدواجية في السلوك والميول الباطنية، وهذا بالضبط كالمزارع الذي يطمع بالحصول على محاصيل وفيرة من أرضه الزراعية في حين أنّه لم يبذر فيها ولم يسقها الماء.
وهنا يضع الإمام عليه السلام اصبعه على نقطة حسّاسة جدّاً، وهذا هو ما ورد في كلامه عليه السلام في كتاب غررالحكم حيث قال: «احْذَرِ الْكِبْرَ فَإنَّهُ رَأسُ الطُّغْيانِ وَمَعْصِيَةُ الرَّحْمنِ» [١].
وفي كلام آخر للإمام عليه السلام يقول: «أَقْبَحُ الْخُلُقِ التَّكَبُّرُ» [٢].
وقد ورد في رواية أخرى عن الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام قالا: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ» [٣].
ثمّ يعود الإمام عليه السلام ليتحدّث مرّة أخرى عن مسألة الإنفاق في سبيل اللَّه ويقول:
«وَتَطْمَعُ- وَأَنْتَ مُتَمَرِّغٌ [٤] فِي النَّعِيمِ، تَمْنَعُهُ الضَّعِيفَ وَالْأَرْمَلَةَ [٥]- أَنْ يُوجِبَ لَكَ
[١]. غرر الحكم، ح ٢٦٠٩.
[٢]. المصدر السابق، ح ٢٨٩٨.
[٣]. الكافي، ج ٢، ص ٣١٠.
[٤]. «المتمرّغ» هو الشخص الذي اضطجع على التراب وألصق بدنه به، من «التمرّغ». بمعنى التقلّب في التراب.
[٥]. «ارْمَلَة» المرأة التي توفي زوجها، و «ارْمَل» الرجل الذي توفيت زوجته، وتأتي أحياناً بمعنى فقدان الزاد والمتاع، وفي الأصل بمعنى «رمل» وكأنّ مثل هؤلاء الأشخاص ولشدّة عجزهم وفقرهم وحاجتهم التصقوا بالأرض وبالرمل، وتطلق مفردة «أَرامل» على المساكين أيضاً.