نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٩١ - الشرح والتفسير السالكون طريق الآخرة
«فَلَيْسَ يَجِدُونَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَلَماً وَلَا يَرَوْنَ نَفَقَةً فِيهِ مَغْرَماً. وَلَا شَيْءَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِمَّا قَرَّبَهُمْ مِنْ مَنْزِلِهِمْ، وَأَدْنَاهُمْ مِنْ مَحَلَّتِهِمْ».
أجل، فهذا هو نمط تفكير المؤمنين الصالحين وأولياء اللَّه الذين يسيرون في مسلك الطاعة والمعنوية، لأنّ هؤلاء لا ينجذبون أبداً لزخارف الدنيا ولا ينخدعون ببريقها، بل إنّ الدنيا تمثّل لهم مجموعة من الأتعاب والآلام والهموم والغموم وحالات التوتّر التي تفرضها حالات الصراع والنزاع، في حين أنّ الإيمان بالمعاد والجنّة والنعيم الخالد والاعتقاد بالوعد الإلهيّ يوحي لهم بأنّهم سيواجهون غداً مستقبلًا مشرقاً ويرفلون بالنعيم الماديّ والمعنويّ بعيداً عن كلّ أشكال الهمّ والغمّ والألم، والأهمّ من ذلك أنّهم يصلون إلى مقام القرب الإلهيّ وهذا هو الذي يجعلهم يتقبّلون الصعاب والآلام في هذا المسير بكلّ رحابة صدر ويتحمّلون كلّ مشقّة في هذا الطريق لأنّهم متوجّهون إلى كعبة الحبيب، فجميع ما يجدونه من وخز الأشواك في الطريق يكون بالنسبة لهم كفراش الحرير وتتبدّل المرارة إلى عذوبة.
ثمّ يستعرض الإمام عليه السلام المثال الثاني فيما يخصّ أهل الدنيا والمتشبّثين بزخارفها وملذّاتها ويقول: «وَمَثَلُ مَنِ اغْتَرَّ بِهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ كَانُوا بِمَنْزِلٍ خَصِيبٍ، فَنَبَا بِهِمْ إِلَى مَنْزِلٍ جَدِيبٍ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِمْ وَلَا أَفْظَعَ [١] عِنْدَهُمْ مِنْ مُفَارَقَةِ مَا كَانُوا فِيهِ، إِلَى مَا يَهْجُمُونَ عَلَيْهِ، وَيَصِيرُونَ إِلَيْهِ».
أجل، فهم يعلمون أنّ مصيرهم في النهاية النار والعذاب الأليم، فتكون الدنيا بالنسبة لهم بجميع مشاكلها وآلامها عذبة ومريحة جدّاً، ولهذا السبب يخافون من الموت ويخشون حلول الأجل، خوفاً من المستقبل المظلم، كما أخبر القرآن الكريم عن طائفة من بني اسرائيل ممّن يعيشون حبّ الدنيا: «وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ
[١]. «أَفْظَع» بمعنى غير مقبول، من «الفَظاعة» وهي الشناعة والغلظة.