نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٧٠ - الشرح والتفسير الإحسان في مقابل الإساءة!
نظر إليه قال: «اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَه»، فوثب أصحاب العمرّي إليه، فقالوا له:
ما قصّتك، قد كنت تقول غير هذا؟
قال العمري: قد سمعتم ما قلت الآن، وجعل يدعو لأبي الحسن الإمام الكاظم عليه السلام، فخاصموه وقاطعهم، فلمّا رجع أبوالحسن عليه السلام إلى داره، قال لجلسائه الذين سألوه في قتل العمري: أيّما كان خيراً، ما أردتم أو ما أردت، إنّني أصلحت أمره بالمقدار الذي عرفتم وكفيت شرّه [١].
ويقول الإمام في التوصية السابعة: «وَإِنْ أَرَدْتَ قَطِيعَةَ أَخِيكَ فَاسْتَبْقِ لَهُ مِنْ نَفْسِكَ بَقِيَّةً يَرْجِعُ إِلَيْهَا إِنْ بَدَا لَهُ ذَلِكَ يَوْماً مَا».
وهذا يعني أنّ الإنسان ينبغي أن يسير في مسألة الصداقة في خطّ الاعتدال، ولا يفشي أسراره كلّها لصديقه، حتّى لا يتورّط فيما لو انقلبت هذه الصداقة يوماً ما إلى عداوة ويواجه الضرر والخسارة، وهكذا بالنسبة للحالة الأخرى، فالإنسان لا ينبغي أن يقطع صلته تماماً مع صديقه ويهدم كلّ الجسور خلفه، لأنّه ربّما يندم ويريد إعادة العلاقة مع الطرف الآخر، ولكنّه لا يجد طريقاً لمدّ جسور الثقة معه.
وهذا المضمون ورد بشكل أشمل في كلام آخر لأميرالمؤمنين عليه السلام (طبقاً لما ورد في بحارالانوار) قال: «أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْناً مَا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْماً مَا وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْناً مَا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْماً مَا» [٢].
وينقل ابن أبيالحديد عن بعض العلماء هذا المعنى ببيان آخر قال: «إذا هَوَيْتَ فَلا تَكُنْ غالِياً وَإِذا تَرَكْتَ فَلا تَكُنْ قالِياً» [٣].
وفي التوصية الثامنة والأخيرة من هذا المقطع من الوصية يقول الإمام عليه السلام: «وَمَنْ ظَنَّ بِكَ خَيْراً فَصَدِّقْ ظَنَّهُ».
[١]. مقاتل الطالبيين، ص ٣٣٢. وأورد هذه القصة المرحوم العلّامة المجلسي بشكل أوسع في بحار الأنوار، ج ٤٨، ص ١٠٢، ح ٧ (مع اختلاف يسير).
[٢]. بحار الأنوار، ج ٧١، ص ١٧٧، ح ١٤.
[٣]. شرح نهجالبلاغة لابن أبيالحديد، ج ١٦، ص ١١٠.