نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٤٦ - الشرح والتفسير لا تذلّ نفسك أبداً
الإمام عليه السلام في هذا الكلام يرى أنّ شخصية الإنسان تتعرّض بالسؤال والطلب من الآخرين إلى الخلل والاهتزاز، وعادة ما يقترن السؤال مع الذلّة أو المنّة.
والشاهد على هذا الكلام ما ورد في الحديث الشريف عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه:
«قَالَ يَوْماً رَجُلٌ عِنْدَهُ: اللَّهُمَّ أَغْنِنَا عَنْ جَمِيعِ خَلْقِكَ. فَقَالَ: أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام: لَاتَقُلْ هَكَذَا، وَلَكِنْ قُل: اللَّهُمَّ أَغْنِنَا عَنْ شِرَارِ خَلْقِكَ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَايَسْتَغْنِي عَنْ أَخِيهِ» [١].
ونقرأ في حديث آخر عن الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال لولده الإمام الحسن:
«يَا بُنَيَّ إِذَا نَزَلَ بِكَ كَلَبُ الزَّمَانِ وَقَحْطُ الدَّهْرِ فَعَلَيْكَ بِذَوِي الْأُصُولِ الثَّابِتَةِ وَالْفُرُوعِ النَّابِتَةِ مِنْ أَهْلِ الرَّحْمَةِ وَالْإِيثَارِ وَالشَّفَقَةِ، فَإِنَّهُمْ أَقْضَى لِلْحَاجَاتِ وَأَمْضَى لِدَفْعِ الْمُلِمَّات» [٢].
وببيان آخر أنّ الإنسان كثيراً ما يكون قادراً على أداء عمل معينّ ولكن بسبب الكسل وطلب الراحة فإنّه يطلب المعونة من الآخرين ويضع كَلّه عليهم، وهذا العمل مذموم وقبيح، ولكن في بعض الموارد لا يتيسّر العمل ونيل المقصود إلّابآلية التعاون والتكاتف، ففي مثل هذه الموارد لا إشكال في طلب المساعدة من الآخرين، لأنّ حياة الإنسان مقترنة دوماً بعنصر التعاون في حركة المجتمع.
وجملة: «وَإنْ كانَ كُلٌّ مِنْهُ» في الحقيقة إشارة إلى التوحيد الأفعالي للذات المقدّسة وأنّه على فرض أن يطلب الإنسان المعونة والمساعدة من الآخرين (فيما لا ينبغي طلب المعونة فيه) ثمّ يمدّون له يد العون، فلو دقّقنا النظر في هذا المورد أيضاً لرأينا أنّه حتّى هذا المورد من قِبل اللَّه تعالى، لأنّ الإنسان لا يملك شيئاً في واقعه حتى يعطيه لغيره، فما يملك فهو من اللَّه تعالى وما حصل عليه فإنّه قد اكتسبه بإذن اللَّه وبما أودع اللَّه فيه من قوّة وقدرة.
يقول المرحوم مغنية في شرح نهجالبلاغة ذيل هذه التوصية لأميرالمؤمنين عليه السلام
[١]. بحار الأنوار، ج ٧٥، ص ١٧٢، ح ٥.
[٢]. المصدر السابق، ج ٩٣، ص ١٥٩، ح ٣٨.