نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٨ - الشرح والتفسير اجعل من النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله مرشداً لك
ثقافة وعقلية ذلك العصر، ولكن في عصر خاتم الأنبياء فقد نزل آخر خطاب إلهيّ للبشرية كافّة على قلبه المبارك.
إنّ المقارنة بين القرآن الكريم والتوراة و الإنجيل الحاليين (رغم امتداد يد التحريف إليهما) شاهد ناطق على هذا التفاوت العظيم، فبالنسبة لمعرفة اللَّه وأدلّة التوحيد والصفات الإلهيّة فإنّ القرآن الكريم طرح قضايا هامة على هذا الصعيد لا توجد في أيّ من الكتب السماوية الأخرى، بل حتّى لا يوجد فيها عُشر معشارها، وبالنسبة للمسائل المتعلّقة بالمعاد، وعلى حدّ قول بعض المحقّقين يوجد ألفي آية في القرآن تتحدّث عن المعاد وتفاصيله وحالاته، فالقرآن الكريم تحدّث في هذا المجال بحيث لا يمكن تصوّر كلام آخر في هذا الشأن، وفي البحوث الأخلاقية والاجتماعية والسياسية والمسائل التي تتصّل بالحكومة وتاريخ القدماء، فالقرآن الكريم زاخر بهذه البحوث، ومن هنا يستوحي الإمام عليه السلام دليله في كلامه المذكور أعلاه ويقول: لا يوجد أحد كالنبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله بيّن للناس تعاليم الوحي السماوي والمعارف الإلهيّة بهذه الصورة اليانعة، ولهذا ينبغي عليك أن تتمسّك بهذا القائد والمرشد بوصفه أفضل مرشد لطريق الخير والصلاح في واقع الحياة.
وينبغي الالتفات إلى أنّ مفردة «رائد» في الأصل تعني الشخص الذي يذهب للبحث عن المرتع والماء للماشية والدوابّ، وعندما يكتشف وجود ماء وكلأ يعود ليخبر قومه، ثمّ توسّعوا في استخدام هذه الكلمة وأطلقوها على الأشخاص الذين يمسكون بمقاليد الأمور في حياة الناس.
«القائد» في الأصل بمعنى الشخص الذي يمسك زمام الناقة ويقودها في المسير، ثمّ اطلق على كلّ مَن يقود طائفة من البشر.
ويواصل الإمام عليه السلام تقسيم نصيحته لولده ويقول: «فَإِنِّي لَمْ آلُكَ [١] نَصِيحَةً. وَإِنَّكَ
[١]. «آل» صيغة المتكلم الواحد، من مادة «ألْو» على وزن «دلو» وهي في الأصل بمعنى التقصير، وجملة «لم آلكنصيحة» تعني لم اقصر في اسداء النصح إليك، واللافت أنّ هذا الفعل لازم لا يأخذ مفعول، رغم أنّ البعض تصور أنّه يأخذ مفعولين، المفعول الأول هو ضمير الخطاب «آلك» والمفعول الثاني «نصيحة»، في حين أنّ النصيحة تمييز وضمير الخطاب متعلق بمحذوف وهو في الأصل «لَمْ آلُ لَكَ».