نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٣٩ - الشرح والتفسير لا تذلّ نفسك أبداً
القسم الثالث والعشرون
وَاعْلَمْ يَقِيناً أَنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ أَمَلَكَ، وَلَنْ تَعْدُوَأَجَلَكَ، وَأَنَّكَ فِي سَبِيلِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ. فَخَفِّضْ فِيالطَّلَبِ. وَأَجْمِلْ فِيالْمُكْتَسَبِ، فَإِنَّهُ رُبَّ طَلَبٍ قَدْ جَرَّ إِلَى حَرَبٍ؛ فَلَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ بِمَرْزُوقٍ، وَلَا كُلُّ مُجْمِلٍ بِمَحْرُومٍ. وَأَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْ كُلِّ دَنِيَّةٍ وَإِنْ سَاقَتْكَ إِلَى الرَّغَائِبِ، فَإِنَّكَ لَنْ تَعْتَاضَ بِمَا تَبْذُلُ مِنْ نَفْسِكَ عِوَضاً. وَلَا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ اللَّهُ حُرّاً. وَمَا خَيْرُ خَيْرٍ لَايُنَالُ إِلَّا بِشَرٍّ، وَيُسْرٍ لَايُنَالُ إِلَّا بِعُسْرٍ؟! وَإِيَّاكَ أَنْ تُوجِفَ بِكَ مَطَايَا الطَّمَعِ، فَتُورِدَكَ مَنَاهِلَ الْهَلَكَةِ. وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَلَّا يَكُونَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ ذُو نِعْمَةٍ فَافْعَلْ، فَإِنَّكَ مُدْرِكٌ قَسْمَكَ، وَآخِذٌ سَهْمَكَ، وَإِنَّ الْيَسِيرَ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَعْظَمُ وَأَكْرَمُ مِنَ الْكَثِيرِ مِنْ خَلْقِهِ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُ.
الشرح والتفسير: لا تذلّ نفسك أبداً
في هذا المقطع من الوصيّة يشير الإمام عليه السلام إلى ستّ نقاط مهمّة تمثّل كلّ واحدة منها نصيحة للسائرين في طريق الحقّ والمعنوية، ولكن قبل ذلك يذكر الإمام عليه السلام مقدّمة ويقول: «وَاعْلَمْ يَقِيناً أَنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ أَمَلَكَ، وَلَنْ تَعْدُوَ أَجَلَكَ»، أنت لا تستطيع أن تتجاوز ما تقرّر من عمرك، فأنت تسير في نفس الطريق الذي سار فيه القدماء، فأولئك ماتوا وذهبوا لحال سبيلهم وأنت سوف تلحق بهم.
ثمّ يستنتج الإمام عليه السلام هذه التوصية: «فَخَفِّضْ [١] فِي الطَّلَبِ وَأَجْمِلْ [٢] فِي
[١]. «خفّض» من مادة «خفض» يعني جرّ الشيء إلى الأسفل في مقابل رفعه إلى الأعلى، وهنا جاءت بمعنىالطلب القليل وترك الطمع في الكثير.
[٢]. «أجمل» من «الإجمال» وهو الإعتدال في العمل وعدم الافراط.