نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٩١ - الشرح والتفسير ثمان وعشرون موعظة أخرى
وهو إشارة إلى أنّ التمسّك بالوسائل الماديّة واللجوء إلى المخلوقين والطلب منهم، طريق لا يعتمد عليه، وربّما لا يوصل إلى نتيجة مطلوبة، فهذه الأسباب لا يوثق بها في تحصل المراد، والأصل الثابت والأساس القائم والخالد هو الباري تعالى الذي لا يمكن لأيّشيء مخالفة مشيئته وقدرته المطلقة، وعلى ضوء ذلك فالشخص الذي يلتجىء إلى الذات المقدّسة فإنّه يلتجىء إلى حرز حريز وملاذ أمين غير قابل للزوال والاهتزاز، وهذا هو التوحيد الأفعالي الذي يقرّر: «لا مُؤَثِّرَ فِى الوُجُودِ إلّا اللَّهُ». والقرآن الكريم يقول: «فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى» [١].
وذهب بعض إلى أنّ المراد من الوسيلة الإيمان والقرآن الكريم، ولكن من الواضح أنّ الجملة لها مفهوم واسع تشمل جميع الوسائل التي تقرّب الإنسان إلى للَّه تعالى.
ومعلوم أنّ هذا الكلام لا يعني أن نترك عالم الأسباب والمسبّبات، ولا يعني أيضاً ترك التوسّل بالمعصومين، لأننا إذا توسّلنا بالمعصومين وبالأسباب الطبيعية وكان نظرنا إلى ما ورائها من القدرة الإلهيّة، وكان نظرنا إلى مسبّب الأسباب، فمثل هذا التوسّل وطلب الشفاعة من هؤلاء الأولياء يمثّل تقرّباً إلى اللَّه تعالى وهو من المصاديق البارزة للعلاقة الوثيقة مع الذات المقدّسة.
السابعة عشر: يقول الإمام عليه السلام: «وَمَنْ لَمْ يُبَالِكَ فَهُوَ عَدُوُّكَ».
وطبعاً فالمراد الشخص الذي يرتبط مع الإنسان بنحو من الارتباط، وربّما ادّعى المحبّة والمودّة، ولكن عندما تحين لحظة الدفاع عن الحقّ والعرض والسمعة، فإنّه يواجه هذا الموقف من موقع اللامبالاة وبحالة من البرودة، وهذا يشير إلى أنّه غير صادق في إظهار المحبّة والصداقة، بل يضمر نوعاً من العداوة في داخله ونفسه.
[١]. سورة البقرة، الآية ٢٥٦.