نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٦٤ - الشرح والتفسير الإحسان في مقابل الإساءة!
اللَّطَفِ [١] وَالْمُقَارَبَةِ، وَعِنْدَ جُمُودِهِ [٢] عَلَى الْبَذْلِ، وَعِنْدَ تَبَاعُدِهِ عَلَى الدُّنُوِّ، وَعِنْدَ شِدَّتِهِ عَلَى اللِّينِ، وَعِنْدَ جُرْمِهِ عَلَى الْعُذْرِ، حَتَّى كَأَنَّكَ لَهُ عَبْدٌ، وَكَأَنَّهُ ذُو نِعْمَةٍ عَلَيْكَ».
في هذه التوصية يحذّر الإمام عليه السلام ولده من الردّ بالمثل فيما يواجهه من نفور ولامبالاة من أصدقائه، وضمناً يوصيه بستّ جمل بليغة تتضمّن بلاغة الجناس، بأنّ الردّ بالمثل من شأنه أن يهدّد أساس المودّة والصداقة بين الأصدقاء، فيفقد المرء صديقه بسبب ذلك، ولكن كلّما تعامل مع الإساءة بالإحسان ومع اللامبالاة بالمودّة، فسوف يدرك صديقه خطأه ويخجل من نفسه ويتحرّك على مستوى جبر الخلل وتقوية وترسيخ دعائم المحبّة والمودّة أكثر فأكثر.
والعبارات التي يستخدمها الإمام عليه السلام في هذه الفقرات تمثّل في الحقيقة شرحاً لما ورد في القرآن الكريم في قوله: «ادْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَميمٌ* وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظيمٍ» [٣].
ورغم أنّ هذه الآية نزلت في مورد الأعداء، ولكن ممّا لا شك فيه أنّها صادقة على الأصدقاء أيضاً، فسيرة النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله وأئمّة الهدى عليهم السلام وعلماء الدين الكبار تشير إلى هذه الحقيقة أيضاً إلّافي موارد استثنائية، وأنّهم كانوا لا يواجهون العدوان والإساءة من الأصدقاء والأعداء بالمثل، إلّافي موارد خاصّة ونادرة.
وبما أنّ بعض السذّج وذوي الفكر الضيّق ربّما يسيئون هذا السلوك الإنساني معهم، فالإمام عليه السلام استثنى هذه الفئة من هذه القاعدة وقال: «وَإِيَّاكَ أَنْ تَضَعَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، أَوْ أَنْ تَفْعَلَهُ بِغَيْرِ أَهْلِهِ».
والفرق بين جملة «وَإِيَّاكَ أَنْ تَضَعَ ...» وجملة «أَوْ أَنْ تَفْعَلَهُ ...» أنّ الجملة الثانية
[١]. «اللَّطَف» على وزن «شرف» وفي بعض النسخ على وزن «قفل» وتعني إظهار المحبّة والإحسان إلى الطرفالمقابل.
[٢]. «جمود» وتعني في هذه العبارة البخل، في مقابل البذل والعطاء.
[٣]. سورة فصلت، الآيتان ٣٤ و ٣٥.