نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٦ - الشرح والتفسير تعليمات ضرورية قبل التوجّه إلى الميدان
وعندما يبتدىء الإمام عليه السلام رسالته بالتوصية بتقوى اللَّه والتفكير بالمعاد، فإنّه يترتّب على ذلك آثار مختلفة، فإنّه من جهة يؤدّي إلى تطبيق وترجمة التعاليم والتوصيات الواردة في هذه الرسالة بدقّة، ومن جهة أخرى، بما أنّ محتوى هذه الرسالة والبرنامج العسكري للجيش هو الجهاد في سبيل اللَّه والسير إلى اللَّه، فإنّ التوصية بالتقوى من شأنها أن تبعث الروحية والمعنوية في أفراد الجيش ويكونوا على استعداد تام لمقاتلة العدوّ والتصدّي لقوى الانحراف والضلالة بشكل أقوى.
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام يشير إلى عشر نقاط عسكرية فيما يتّصل بإرسال القوّات إلى ميدان القتال وكيفية مقاتلة الأعداء ومجابهة قوى الباطل والتي هي في الحقيقة تعتبر من مقدّمات النزال فيما يخصّ الاستعداد للحرب، ويقول في البداية: «وَلَا تُقَاتِلَنَّ إِلَّا مَنْ قَاتَلَكَ».
هذا هو الدستور الأول في تعاليم الإسلام العسكرية، ويبيّن روحية الصلح وطلب السلم للإنسان المسلم الذي لا يحبّ البدء بالقتال، فما لم يبدأ العدوّ بالحرب والقتال فلا ينبغي للمسلمين أن يسبقوهم بالقتال، يقول القرآن الكريم في هذا الصدد: «وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّميعُ الْعَليمُ» [١].
ثمّ يشير الإمام عليه السلام إلى الدستور الثاني والثالث والرابع ويقول: «وَسِرِ الْبَرْدَيْنِ [٢]، وَغَوِّرْ [٣] بِالنَّاسِ، رَفِّهْ [٤] فِي السَّيْرِ»، أي أنّ المسير بالجيش ينبغي أن يتزامن مع الأجواء المناسبة في وقت الصباح والعصر حيث يبرد الهواء نسبياً في هذين الوقتين، فيما تكون الاستراحة عند وقت الظهيرة حيث ترتفع حرارة الجو، ومن
[١]. سورة الانفال، الآية ٦١.
[٢]. «بردين» تثنية «برد» بمعنى البرودة ضد الحر، وهذا إشارة إلى الصبح والعصر حيث يبرد الهواء نسبياًوتنخفض درجة الحرارة.
[٣]. «غوّر» من مادة «غور» على وزن «قول» وردت في المصادر اللغوية بمعنيين، الأول، النوم في منتصف النهاروالذي يعبر عنه بالقيلولة، والثاني، التوغل إلى باطن الشيء وعمقه، وفي الجملة يراد بها الأول، وأحياناً يقصد بهذه المفردة الحملة والهجوم والإغارة أيضاً.
[٤]. «رفّه» من «الترفيه» و «رفوه» بمعنى الراحة والهدوء في الحياة، والرفاه يرد أيضاً كأحد المصادر لهذه المفردة.