نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٢ - الشرح والتفسير كلّ شيء من اللَّه
وضآلة معلوماته، ويذعن لإرادة الحقّ ومشيئته، ويستسلم أمام قدرته وإرادته:
«وَاعْلَمْ أَنَّ مَالِكَ الْمَوْتِ هُوَ مَالِكُ الْحَيَاةِ، وَأَنَّ الْخَالِقَ هُوَ الْمُمِيتُ، وَأَنَّ الْمُفْنِيَ هُوَ الْمُعِيدُ، وَأَنَّ الْمُبْتَلِيَ هُوَ الْمُعَافِي».
هذا الكلام إشارة للتوحيد الأفعالي وأنّ هذا العالم ليس له سوى مبدأ واحد ومؤثّر فارد: «لا مُؤَثِّرَ فِى الْوُجُودِ إِلَّا اللَّهُ» لا أنّ العالم يملك مبدأين مبدأ للخير وآخر للشرّ، أو اليزدان والأهريمن كما يتصوّر الثنويون، وأساساً فإنّ الشرّ لا وجود له في عالم الخلقة وكلّ ما هو موجود فهو خير، أمّا الشرّ فأمر نسبيّ، على سبيل المثال: لسع العقرب يعدّ وسيلة دفاعية له في مقابل أعدائه، مضافاً إلى أنّ سمّ الحشرات يحتوي على دواء لشفاء بعض الأمراض، فمن هذه الجهة يكون هذا السمّ خيراً، ولو ابتلي أحد بلدغ العقرب أو بلدغ حشرة فإنّ هذا الشرّ ناشىء من جهله وعدم اطّلاعه على الخطر.
ثمّ يشير الإمام عليه السلام إلى عدم استقرار الدنيا واختلاط الجيّد والرديء والخير والشرّ فيها، ويقول: «وَأَنَّ الدُّنْيَا لَمْ تَكُنْ لِتَسْتَقِرَّ إِلَّا عَلَى مَا جَعَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ النَّعْمَاءِ، وَالابْتِلَاءِ، وَالْجَزَاءِ فِي الْمَعَادِ، أَوْ مَا شَاءَ مِمَّا لَاتَعْلَمُ».
أجل، هذه طبيعة الدنيا التي خلقت بهذا الشكل وفقاً للحكمة الإلهيّة، لأنّ الإنسان إذا غرق دوماً في النعمة والحبور فسوف يعيش الغفلة عن المصير، وإذا ابتلي دوماً بالمشاكل والآلام فإنّ اليأس سيهيمن على وجوده ويستولي على فكره ويبتعد بذلك عن اللَّه تعالى، ومن هنا فإنّ اللَّه قد خلط بين هذين الأمرين ليعيش الإنسان حالات اليقظة والانتباه ويتحرّك في مسيرة الحياة المعنوية بالاستمداد من اللطف الإلهيّ.
وبما أنّ بعض الأفراد الجهّال يطلقون أحياناً كلمات الاعتراض بسبب جهلهم وعدم اطّلاعهم على الحكمة من حوادث العالم، يحذّر الإمام عليه السلام ولده ويقول: «فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَاحْمِلْهُ عَلَى جَهَالَتِكَ، فَإِنَّكَ أَوَّلُ مَا خُلِقْتَ بِهِ جَاهِلًا ثُمَ