نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٣ - الشرح والتفسير كلّ شيء من اللَّه
عُلِّمْتَ، وَمَا أَكْثَرَ مَا تَجْهَلُ مِنَ الْأَمْرِ، يَتَحَيَّرُ فِيهِ رَأْيُكَ، وَيَضِلُّ فِيهِ بَصَرُكَ ثُمَّ تُبْصِرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ».
وهذا يعني أنّ الشخص الذي بإمكانه الاعتراض على ما يشكل عليه هو الذي يعلم بجميع الأمور ومطّلع على كافّة التفاصيل، ويعرف فلسفة جميع الحوادث والغرض منها، ثمّ يرى أنّ أحد الأمور لا تتوافق مع الحكمة والغرض من الخلقة فيحقّ له أن يفتح فمه بالاعتراض ويضع علامات الاستفهام، في حين أنّ الإنسان ليس كذلك، فمعلوماته بالنسبة لمجهولاته كالقطرة بالنسبة للبحر، فهو في بداية عمره جاء إلى الدنيا ولا يعلم شيئاً، ثمّ تدريجياً يطّلع على بعض الأمور ويعلم ببعض المسائل، وما أكثر الأمور التي لا يعلم الحكمة والغرض منها في بداية الأمر ثمّ بعد ذلك تبيّنت له الحكمة من هذا الشيء والغرض من هذه الظاهرة، فهل يحقّ للإنسان مع هذا العلم المحدود وهذا الكمّ القليل من المعلومات التي يمتلكها، أن يعترض على بعض الأمور التي لا يعلم الغرض منها؟
وفي ختام هذا المقطع من الوصيّة يأمر الإمام عليه السلام ولده بالتمسّك بالألطاف الإلهيّة والالتفات إلى الذات المقدّسة، فإنّه مفتاح للنجاة من كلّ هلكة، يقول: «فَاعْتَصِمْ بِالَّذِي خَلَقَكَ وَرَزَقَكَ وَسَوَّاكَ، وَلْيَكُنْ لَهُ تَعَبُّدُكَ، وَإِلَيْهِ رَغْبَتُكَ، وَمِنْهُ شَفَقَتُكَ».
هذه التوصيات الأربع القصيرة والزاخرة بالمضمون، تضمن قطعاً سعادة كلّ إنسان، فالاعتصام والتمسّك بالألطاف الإلهيّة والتوجّه إليه بالدعاء وطلب الحاجات والخشية من عقابه، كلّ ذلك يقود الإنسان نحو مرفأ السلامة وساحل النجاة.
وقوله: «الَّذِي خَلَقَكَ وَرَزَقَكَ وَسَوَّاكَ» مقتبس من الآيات القرآنية الشريفة:
«الَّذِى خَلَقَ فَسَوَّى* وَالَّذِى قَدَّرَ فَهَدَى* وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى» [١]، فبداية يشير إلى أمر الخلقة، ثمّ مسألة الرزق، ثمّ التسوية في عملية الخلق، وتنظيم أجهزة الإنسان وأعضائه وقواه البدنية والروحية، في حين أننا نعلم أنّ البداية هو الخلق ثمّ التسوية
[١]. سورة الأعلى، الآيات ٢- ٤.