نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٩٩ - الشرح والتفسير لا تكن خازناً لغيرك
منها السعي والكدح في طريق الإنفاق، فكلمة «كدح» تعني أنّ الإنسان يكدح ويتعب نفسه في البذل، وفي هذه الصورة تكون هذه العبارة مقدّمة لما يأتي بعدها، ولكن يبدو أنّ التفسير الأوّل أصحّ.
ثمّ يبيّن الإمام عليه السلام التوصية الثالثة، ويقول: «وَلَا تَكُنْ خَازِناً لِغَيْرِكَ».
ويشير بذلك إلى أنّ الأشخاص الذين يتعبون أنفسهم في جمع الأموال والثروات ولا ينفقونها في سبيل اللَّه، هم من المساكين الذين يتعبون أنفسهم في جمع وحفظ الأموال وينتفع بها الورثة، وفي القيامة يحاسبون عليها بينما يلتذّ بها وينتفع بها الآخرون، أي الورثة الذين لا يعيشون أحياناً أيّ مودّة واهتمام بالمورث وصاحب المال، ولا ينفقون منها في سبيل اللَّه لحساب صاحبها، بل أحياناً يوبخونه ويذمّونه بأنه لم يترك لهم ثروة كافية، وحتى لو كان الورثة من الأشخاص الصالحين واستثمروا هذه الأموال في طريق الطاعة والصلاح، فمع ذلك ستكون حسرة على صاحب المال لأنّه أتعب نفسه من أجلها بينما ربح ثوابها الآخرون، وهذا هو ما وردت الإشارة إليه في الروايات الإسلاميّة.
يقول الإمام الصادق عليه السلام في تفسير هذه الآية الشريفة: «كَذلِكَ يُريهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ» [١]. قال: «هُوَ الرَّجُلُ يَدَعُ مَالَهُ لَايُنْفِقُهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ بُخْلًا ثُمَّ يَمُوتُ فَيَدَعُهُ لِمَنْ يَعْمَلُ فِيهِ بِطَاعَةِ اللَّهِ أَوْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَإِنْ عَمِلَ بِهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ رَآهُ فِي مِيزَانِ غَيْرِهِ فَرَآهُ حَسْرَةً وَقَدْ كَانَ الْمَالُ لَهُ وَإِنْ كَانَ عَمِلَ بِهِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ قَوَّاهُ بِذَلِكَ الْمَالِ حَتَّى عَمِلَ بِهِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» [٢].
ثمّ يتعرض الإمام عليه السلام لبيان التوصية الرابعة ويقول: «وَإِذَا أَنْتَ هُدِيتَ لِقَصْدِكَ فَكُنْ أَخْشَعَ مَا تَكُونُ لِرَبِّكَ».
وهذا يعني أنّ جميع النعم والمواهب الإلهيّة تستحقّ من العبد الشكر، وأيّ نعمة
[١]. سورة البقرة، الآية ١٦٧.
[٢]. الكافي، ج ٤، ص ٤٢، ح ٢.