نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٩ - الشرح والتفسير كيف يجلس المحكوم للحكم والقضاء؟
تلك النصال زائفة أيضاً، فقال: «حَنَّ قِدْحٌ لَيْسَ مِنْهَا» أي أنّ هذا النصل ليس من جنس النصال الأصلية، من خلال صوته، وانكشف بذلك زيف هذه النصال، ثمّ ضرب به المثل لكلّ شخص أدخل نفسه في جماعة لم يكن جديراً بهم، وجعل نفسه في عرض فئة ليس من مستواهم، والإمام عليه السلام استخدم هذا المثل المعروف في مورد معاوية، وأنّك تخلط نفسك مع جماعة لست منهم، فأنت من الكفّار الطلقاء الذين أطلق سراحهم النبيّ يوم فتح مكة، فما أنت والمجاهدين والمهاجرين الأولين؟ [١].
واللافت للنظر أنّ الإمام عليه السلام في العبارة المذكورة أعلاه يقول بصراحة: أنت بهذه السوابق السيّئة تعتبر من زمرة المحكومين ومن الرعيّة، فكيف تجلس على كرسيّ الحكّام وتدّعي التحكيم فيما بينهم؟
ثمّ يضيف الإمام عليه السلام للتأكيد ويقول: «أَلَا تَرْبَعُ [٢] أَيُّهَا الْإِنْسَانُ عَلَى ظَلْعِكَ [٣] وَتَعْرِفُ قُصُورَ ذَرْعِكَ [٤] وَتَتَأَخَّرُ حَيْثُ أَخَّرَكَ الْقَدَرُ فَمَا عَلَيْكَ غَلَبَةُ الْمَغْلُوبِ، وَلَا ظَفَرُ الظَّافِرِ!».
وفي الجُمَل الثلاث يحذّر الإمام عليه السلام معاوية في البداية أن يعرف قدره ولا يمدّ رِجلَه أكثر من لحافه كما يقول المثل.
وفي الجملة الثانية يأمره الإمام عليه السلام بمعرفة نفسه: وعليك أن تعرف أنّك لست من أهل هذا الميدان وأنّك أعجز من أن تطلب زمام الحكومة والولاية على منطقة من البلاد الإسلاميّة أو تروم التمييز بين مراتب المهاجرين والأنصار وتقضي في هذا الشأن، إذن الأفضل أن تجلس في سلك المرتبة التي تليق بشأنك وإمكاناتك ولا تتجاوز عن حدودك (أي تجلس في صفّالنعال ومكانالأحذية لا في صدرالمجلس).
[١]. اقتبس من بحار الأنوار، ج ٣٣، ص ٦٥.
[٢]. «تَرْبَعُ» من مادة «ربع» على وزن «رفع» بمعنى التوقف والإنتظار، وجملة «ألا تَرْبَع» يعني لماذا لا تتوقفوتترك الأمر.
[٣]. «ظَلْع» بمعنى مشي الأعرج، وجملة «ارْبَعْ عَلى ظَلْعِكَ» مثل سائد بين العرب يقال للشخص الذي لا يستطيع عمل معين ويتجه عبثاً لتحقيقه، فيقال له اسكن ولا تتلف وقتك.
[٤]. «ذَرْع» بمعنى فتح اليد والفاصلة بين اليدين، و «قُصُورِ ذَرْع» كناية عن الضعف والعجز.