نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٥ - الشرح والتفسير شمول الرأفة الإسلاميّة لجميع الناس
ظلّ الحكومة الإسلاميّة بصلح وسلام يعتبر من أفضل أساليب المعاملة، ومن جهة يثير في نفوسهم الطمأنينة والأمن ويزيح من أذهانهم أيّ تفكير في التمرّد والطغيان، ومن جهة أخرى فإنّ هذا الاسلوب في التعامل من قِبل الحاكم الإسلامي لا يمكن حمله على الضعف والعجز في مواجهة المشاكل والتحدّيات والتي ربّما تكون مصدراً لإثارة القلاقل وتفعيل روح المشاكسة، ومن هذا المنطلق يرسم الإمام عليه السلام الأسلوب الأمثل في التعامل مع الأقليات الدينية في المجتمع الإسلامي.
ومن المعلوم أنّ ما ذكره الإمام عليه السلام في هذه الرسالة لا ينحصر بأشخاص معيّنين ولا يختصّ بزمان ومكان، بل هو منهج مدروس ويمكن ترجمته على أرض الواقع الاجتماعي في كلّ مورد ومجتمع إسلامي، بل يمكن القول إنّ الحكومة يجب أن تتعامل مع المسلمين أيضاً بمثل هذه المعاملة، فلو أظهرت في مقابل الرعية الكثير من الليونة والتساهل أكثر من الحدّ، فربّما يحمل ذلك على ضعف هذه الحكومة، وبالتّالي يتجرّأ جماعة على القانون ولا يلتزموا بالمقرّرات الرسمية، ولو كان تنفيذ القوانين وإجراؤها باسلوب الشدّة والعنف، فإنّ ذلك ربّما يثير في الناس الاعتراض والنفرة من الحكومة، وتنقطع بالتالي طبيعة التواصل بين الناس وبين الحكومة الإسلاميّة، وعلى أيّة حال فإنّ الإعتدال بين الرأفة والقسوة يعتبر أحد الأصول الثابتة للإدارة الناجحة وقيادة المجتمع.
بل نرى مثل هذا الأصل حتى بالنسبة للذات المقدّسة والسياسة الإلهيّة مع العباد، حيث أنّه تعالى قد جعل الناس يعيشون بين الخوف والرجاء، يقول القرآن الكريم:
«نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحيمُ* وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ» [١].
ونقرأ في دعاء الافتتاح المعروف: «وَأَيْقَنْتُ أَنَّكَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فِي مَوْضِعِ الْعَفْوِ وَالرَّحْمَةِ وَأَشَدُّ الْمُعَاقِبِينَ فِي مَوْضِعِ النَّكَالِ وَالنَّقِمَة».
وأثار بعض شرّاح نهجالبلاغة هنا هذا السؤال، وهو كيف أنّ الإمام عليه السلام أصدر
[١]. سورة الحجر، الآيتان ٤٩ و ٥٠.