نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٧ - الشرح والتفسير الحذر من سلوك الطرق المشكوكة
قبيل ما ورد في قصّة بني اسرائيل فيما يتّصل بذبح بقرة خاصّة، فلو لم يصرّ بنو اسرائيل على معرفة الجزئيات والتفاصيل، كان يكفيهم ذبح أيّة بقرة، ولكن إصرارهم أكثر من اللازم أدّى إلى تكليفهم بذبح بقرة خاصّة وبأوصاف معيّنة وكان ذلك سبباً في تورّطهم في العسر والحرج.
وكذلك ما ورد في مسألة الحجّ في الحديث الشريف: خطب رسول اللَّه صلى الله عليه و آله فقال:
«إنّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيكُم الحجّ» فقام عكاشة بن محصن، ويروى سراقة بن مالك، فقال:
أفي كلّ عام يارسول اللَّه، فأعرض (رسول اللَّه) عنه، حتّى عاد مرّتين وثلاثاً، فقال رسول اللَّه: «وَيحَكَ وما يُؤمِنكَ أنْ أقولَ: نَعم، وَاللَّهِ لَو قُلتُ نَعم لَوجَبَتْ، وَلَو وَجَبَتْ ما اسْتَطَعْتُم وَلَو تَركتُم كَفَرتُم، فاترُكُونِي ما تَركتُكُم، فإنّما هَلكَ مَن كانَ قَبلَكُم بِكثرَةِ سُؤالِهم واختِلافهِم على أنبيائهِم، فإذا أمَرتُكُم بِشَيْءٍ فأتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعتُم، وإذا نَهَيتُكُم عَن شيءٍ فاجْتَنِبُوهُ» [١].
ونقرأ في حديث آخر عن الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام قال في خطبة له: «إِنَّ اللَّهَ حَدَّ حُدُوداً فَلَا تَعْتَدُوهَا وَفَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تَنْقُصُوهَا وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ لَمْ يَسْكُتْ عَنْهَا نِسْيَاناً فَلَا تَكَلَّفُوهَا رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ لَكُمْ فَاقْبَلُوهَا» [٢].
ثمّ قال الإمام عليه السلام في هذه الفقرة من الوصيّة: «فَإِنْ أَبَتْ نَفْسُكَ أَنْ تَقْبَلَ ذَلِكَ دُونَ أَنْ تَعْلَمَ كَمَا عَلِمُوا، فَلْيَكُنْ طَلَبُكَ ذَلِكَ بِتَفَهُّمٍ وَتَعَلُّمٍ، لَابِتَوَرُّطِ الشُّبُهَاتِ، وَعُلَقِ الْخُصُومَاتِ. وَابْدَأْ قَبْلَ نَظَرِكَ فِي ذَلِكَ بِالاسْتِعَانَةِ بِإِلَهِكَ، وَالرَّغْبَةِ إِلَيْهِ فِي تَوْفِيقِكَ، وَتَرْكِ كُلِّ شَائِبَةٍ أَوْلَجَتْكَ [٣] فِي شُبْهَةٍ، أَوْ أَسْلَمَتْكَ إِلَى ضَلَالَةً».
وعصارة كلام الإمام عليه السلام في هذه الفقرة هي أنّ أمامك طريقين للوصول إلى
[١]. بحار الأنوار، ج ٢٢، ص ٣١.
[٢]. وسائلالشيعة، ج ١٨، ص ١٢٩، ابواب صفات قاضى، باب ١٢، ح ٦١.
[٣]. «اوْلَجَتك» من «الإيلاج» وأصلها «ولوج» بمعنى الدخول في مكان محدود، وعندما تأتي من باب إفعال تكون متعدية، وعليه فإنّ «أوْلَج» يعني ادخال شخص أو شيء آخر.