نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٣ - الشرح والتفسير ينبغي أن تفكّر بعاقبة أمرك!
نهجالبلاغة إلى أنّها إشارة لمعرفة الإمام عليه السلام الواجب الإطاعة، فقد ورد في الحديث المشهور: «مَنْ ماتَ وَلَمْ يَعْرِفْ امامَ زَمانِهِ فَقَدْ ماتَ مَيْتَةً جاهِلَيَّةً» [١].
ويحتمل أيضاً في تفسير هذه العبارة أنّها إشارة إلى جميع المعارف الإلهيّة والدينية التي لا يعذر الإنسان في جهله بها، وعلى ضوء ذلك فالإمام عليه السلام يوصي معاوية بأن يتعرّف على أصول دينه وفروعه والتكاليف الشرعية التي يتوجّب عليه القيام بها أمام اللَّه تعالى والناس.
ويتحرّك الإمام عليه السلام بعد ذلك من موقع الاستدلال على ما تقدّم من كلامه (فإنّك غير معذور في حالة الجهل) ويضيف: «فَإِنَّ لِلطَّاعَةِ أَعْلَاماً وَاضِحَةً، وَسُبُلًا نَيِّرَةً، وَمَحَجَّةً [٢] نَهْجَةً [٣]، وَغَايَةً مُطَّلَبَةً، يَرِدُهَا الْأَكْيَاسُ [٤]، وَيُخَالِفُهَا الْأَنْكَاسُ [٥]».
والإمام عليه السلام في هذا الكلام يتمّ الحجّة على معاوية بأنّك يوم القيامة لا يمكنك أبداً أن تدّعي أنّ الطريق كان مظلماً وأنّ معالمه غير واضحة، ولذلك لم أعرف الحقّ والحقيقة، فيقول الإمام عليه السلام: إنّ أعلام هذا الطريق واضحة وآياته بيّنة من خلال ما ورد في الآيات القرآنية من جهة، والأحاديث النبوية المعتبرة من جهة أخرى، والبراهين العقلية الساطعة من جهة ثالثة، وكلّها تمثّل علامات هذا الطريق المتوفّرة في كلّ مكان منه، أضف إلى ذلك أنّ الجادة غير مظلمة «سُبُلًا نَيِّرَةً» فالطريق واضح ورحب ليس فيه مآزق ومنزلقات: «مَحَجَّةً نَهْجَةً» والغاية النهائية لهذا المسير نيل
[١]. ورد هذا الحديث الشريف بهذه العبارة في كتب الشيعة، مثل: وسائل الشيعة، ج ١١، ص ٤٩٢، ح ٢٣، باب ٣٣ من أبواب كتاب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وفي كتب أهل السنّة ورد بتعابير مشابهة عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله من قبيل: «مَنْ ماتَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إمامٌ فَميتَتَهُ ميتَةً جاهِلَيَّةً». (المعجم الكبير، ج ١٠، ص ٢٨٩).
وفي حديث آخر عن معاوية بن أبي سفيان أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قال: «مَنْ ماتَ بِغَيْرِ إمامٍ ماتَ ميتَةً جاهِلَيَّةً» (مسند أحمد، ج ٤، ص ٩٦).
[٢]. «مَحَجَّة» بمعنى الجادة الواسعة والطريق المستقيم والواضح.
[٣]. «نَهْجَة» تارة تأتي بمعنى اسم المصدر وتعني المنهج، وأخرى بمعناها الوصفي وتعني الواضح والبين.
[٤]. «اكْياس» جمع «كيّس» بمعنى الذكي والمنتبه والحكيم.
[٥]. «الأَنْكاس» جمع «نكس» على وزن «حرص» ويعني الإنسان الضعيف والذليل والجاهل، من مادة «نكس» على وزن «عكس» وتعني المنقلب وجعل عالي الشيء سافله.