نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٢ - الشرح والتفسير ينبغي أن تفكّر بعاقبة أمرك!
مُتَجَبِّراً، وَعَنْ حَقِّ اللَّهِ مُقَصِّراً. فَسُبْحَانَ اللَّهِ، كَيْفَ تَسْتَجيزُ الْغيبَةَ، وَتَسْتَحْسِنُ الْعَضيهَةَ. فَإِنّي لَمْ أُشَاغِبْ إِلّا في أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ. وَلَمْ أَتَجَبَّرْ إِلّا عَلى بَاغٍ مَارِقٍ، أَوْ مُلْحِدٍ كَافِرٍ، وَلَمْ آخُذْ فِي ذَلِكَ إِلّا بِقَوْلِ اللَّهِ- سُبْحَانَهُ-: «لَاتَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ» [١] وَأَمَّا التَّقْصيرُ في حَقِّ اللَّهِ- تَعَالى- فَمَعَاذَ اللَّهِ وَإِنَّمَا الْمُقَصِّرُ في حَقِّ اللَّهِ- جَلَّ ثَنَاؤُهُ- مَنْ عَطَّلَ الْحُقُوقَ الْمُؤَكَّدَةَ، وَرَكَنَ إِلَى الأَهْوَاءِ الْمُبْتَدَعَةِ، وَأَخْلَدَ إِلَى الضَّلَالَةِ الْمُحَيِّرَةِ. وَمِنَ الْعَجَبِ أَنْ تَصِفَ، يَا مُعَاوِيَةُ، الِاحْسَانَ، وَتُخَالِفَ الْبُرْهَانَ، وَتَنْكُثَ الْوَثَائِقَ الَّتي هِيَ للَّهِ- عَزَّ وَجَلَّ- طَلِبَةٌ، وَعَلى عِبَادِهِ حُجَّةٌ، مَعَ نَبْذِ الإِسْلَامِ، وَتَضْييعِ الأَحْكَامِ، وَطَمْسِ الأَعْلَامِ، وَالْجَرْيِ فِي الْهَوى، وَالتَّهَوُّسِ فِي الرَّدى».
أمّا ما أورد السيّد الرضيّ في نهجالبلاغة فهو:
إنّ الإمام عليه السلام بعد هذه المقدّمة أخذ ينصح معاوية ويعظه بطرق مختلفة ويتمّ الحجّة عليه، بداية يقول في ثلاث جمل قصيرة وعميقة المعنى: «فَاتَّقِ اللَّهَ فِيمَا لَدَيْكَ، وَانْظُرْ فِي حَقِّهِ عَلَيْكَ، وَارْجِعْ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا لَاتُعْذَرُ بِجَهَالَتِهِ».
الجملة الاولى: «فَاتَّقِ اللَّهَ فِيمَا لَدَيْكَ» ربّما تشير إلى مقام معاوية في ولاية الشام، أو إلى أموال المسلمين في يده، أو جميع نعم اللَّه عليه، فالإمام عليه السلام هنا يحذّره من التمسّك بما ليس لك من المقام ويجب عليك إعادته إلى أصحابه وأن تستخدم نعم اللَّه عليك في طريق طاعته والسعي لنيل رضاه وإمتثال أمره.
والجملة الثانية: «وَانْظُرْ فِي حَقِّهِ عَلَيْكَ» إشارة إلى أنّ اللَّه تعالى له حقّ على عباده في مقابل كلّ هذه النعم والمواهب التي أنعم بها عليهم، وهذا الحقّ الإلهيّ يستلزم أن يسير العبد في خط الطّاعة والعبودية والامتناع عمّا نهى اللَّه عنه، فلو أنّه لم يؤدّ هذا الحقّ فسوف يواجه العذاب الأليم في الآخرة.
والجملة الثالثة: «وَارْجِعْ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا لَاتُعْذَرُ بِجَهَالَتِهِ» ذهب جمع من شرّاح
[١]. سورة المجادلة، الآية ٢٢.