نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٨٠ - الشرح والتفسير ثمان وعشرون موعظة أخرى
الشرح والتفسير: ثمان وعشرون موعظة أخرى
في المقطع السابع والعشرين من هذه الوصية الرائعة يشير الإمام عليه السلام إلى ثمان وعشرين موضوعاً مهمّاً من موقع النصيحة، وبذلك يزيد من ثراء وعمق هذه الوصية.
الاولى: يتحدّث الإمام عليه السلام أولًا عن مسألة الرزق حيث يتحرّك الكثير من الناس طلباً له بحالة من الحرص والولع ويقول: «وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ الرِّزْقَ رِزْقَانِ: رِزْقٌ تَطْلُبُهُ، وَرِزْقٌ يَطْلُبُكَ، فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاكَ».
وهذه الجملة، بقرينة ما ورد في جملة مشابهة لها وأكثر تفصيلًا في كلمات الإمام عليه السلام القصار [١]، ناظرة إلى أنّ الإنسان لا ينبغي أن يعيش الحرص والوله بالرزق، ولا ينبغي أيضاً أن يتكاسل في طلبه.
ومراد الإمام عليه السلام من الرزق الذي يجب على الإنسان أن يطلبه، هو الكسب والعمل اليوميّ في طلب المعاش، مثل، الزراعة، الصناعة، التجارة وأمثال ذلك، ومراده من الرزق الذي يطلب الإنسان ويأتيه وإن أعرض عنه الإنسان أو لم يطلبه، الهدايا أو التجارة والأرباح التي يصيبها الإنسان من غير احتساب، وعلى ضوء ذلك إذا ضاق عليه القسم الأول من الرزق فلا ينبغي أن ييأس من لطف اللَّه بل يتوقّع، مع استمراره في الحركة والسعي والكسب، أن يرزقه اللَّه من حيث لا يحتسب.
وعندما يرى الإنسان في عالم الخلقة موارد كثيرة من الرزق من النوع الثاني، فإنّ هذا الأمل سيقوى ويتعمّق في قلبه، ففي يوم كان الجنين في عالم الرحم يأتيه رزقه من خلال المشيمة والحبل السرّي المتّصل برحم الام، وبعد ولادته يأتيه رزقه من صدر امّه لإدامة حياته وما يحتاجه بعد ولادته من الغذاء، يقول القرآن الكريم: «وَما مِنْ دَابَّةٍ فِىالْأَرْضِ إِلَّا عَلَىاللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِى كِتابٍ مُبينٍ» [٢].
[١]. نهجالبلاغة، الكلمات القصار، ٣٧٩.
[٢]. سورة هود، الآية ٦.