نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٩ - الشرح والتفسير المناصب الحكوميّة في الإسلام أمانة إلهيّة
والإمامة، بل هي من المصاديق البارزة والمهمّة لهذا المفهوم الأخلاقي الواسع.
ثم إنّ الإمام عليه السلام بعد أن يتقدّم للأشعث بهذا الإنذار يبيّن ثلاث وظائف له بوصفه والياً، فيقول أوّلًا: «لَيْسَ لَكَ أَنْ تَفْتَاتَ [١] فِي رَعِيَّةٍ [٢]».
بل يجب عليك العمل وفق الموازين الإلهيّة وما ورد في تعاليم الإسلام عن حقوق اللَّه، لا أن تتصرّف كما يحلو لك، وتتعامل مع الرّعية كما يتعامل السيّد مع عبيده.
ثم إنّ الإمام عليه السلام يقرّر الأمر الثاني ويقول: «وَلَا تُخَاطِرَ إِلَّا بِوَثِيقَةٍ». أي أنّه لا ينبغي لك في الأعمال المهمّة والخطيرة أن تتسرّع وتقدم عليها بدون اطمئنان من النتائج.
ومع الالتفات إلى أنّ جملة «وَلَا تُخَاطِرَ» من مادة خطر، وأنّ كلمة خطير تستخدم للأمور المهمّة بسبب الأخطار المترتبة عليها، فيكون مراد الإمام عليه السلام من هذه العبارة هو اجتناب الإقدام على أيّ عمل مصيريّ للناس والمجتمع إلّابعد التأمل والدقّة والمشورة، وإذا لزم الأمر يجب الاستئذان من الإمام والقائد الأعلى، لأنّه من أجل حفظ الأمانات المهمّة لابدّ من الامتناع من أي عمل خطير، وعلى ضوء ذلك فإنّ مفردة «وثيقة» تستوعب في مضمونها التفكر والتأمل وكذلك المشورة والاستئذان من الإمام عند اللزوم.
وفي الأمر الثالث الذي أكّد عليه الإمام عليه السلام فيما يتّصل بحفظ الأموال وبيتالمال،
[١]. «تفتات» في الأصل من مادة «فوت»، التي تأتي أحياناً بمعنى فقد الشيء وأخرى بمعنى السبق، وطبقاً للمعنى الثاني عندما تأتي من باب افتعال تعني الاستبداد والتزمت بالرأي، وكأنّه يسبق الآخرين في اختيار مقصوده، ويحتمل أيضاً أنّ هذه المفردة من مادة «فأت» (بالهمزة)، وتأتي أيضاً بمعنى التفرد والاستبداد.
[٢]. «رعية» صفة مشبهة بمعنى المراعاة، من مادة «رعى» وهي في الأصل تعني رعي الأغنام والذي يقترن عادة بالمراعاة والمحافظة عليها، وهذا التعبير يشير إلى أنّ الدولة في الحكومة الإسلاميّة مكلّفة بخدمة الناس والمحافظة عليهم ومراعاة حقوقهم، وقد ورد في الحديث النبوي المعروف: «كُلُّكُمْ راعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعَيَّتِهِ» وهو إشارة إلى هذا المعنى، أي أنّ جميع الناس يجب أن يرعى أحدهم الآخر ويتعامل معه من موقع المسؤولية ومراعاة الحقوق والواجبات، والحديث المذكور ورد في بحار الأنوار و جامع الأخبار وفي كتب أهل السنّة صحيح البخاري و مسند أحمد ومصادر أخرى).