نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٠ - نظرة إلى الرسالة
هذه الوصية المهمّة، وطرق السند بلغت خمس طرق)، ولكن هنا طريق واحد لرواية هذه الوصية يقرّر فيها أنّ المخاطب لها هو محمّد بن الحنفية، وبعض شرّاح نهجالبلاغة يؤكّدون على المعنى الثاني، وأنّ المخاطب للوصية ليس هو الإمام الحسن المجتبى عليه السلام ويستدلّون لذلك بأنّ بعض عبارات هذه الوصية لا يتناسب مع كون المخاطب هو الإمام المعصوم، في حين أننا نعلم أنّ مثل هذه العبارات في مقام الموعظة والنصيحة من الوالد لابنه هو اسلوب متداول وشائع، والمهمّ أنّ المخاطب لهذه الوصية وإن كان شخصاً واحداً، إلّاأنّ المقصود هو جميع الشيعة والمسلمين في العالم، بل جميع أبناء آدم، وكأنّ الإمام عليه السلام يتحدّث مع جميع أبناء البشر بوصفه أباً لهم وأنّ المخاطب له، وإن كان الإمام الحسن عليه السلام مباشرة، إلّاأنّ المخاطب الحقيقي جميع أفراد البشر.
وأمّا ما ذكره البعض من أنّ الإمام المعصوم عليه السلام مع توفّر مقام العصمة والإمامة لا يحتاج إلى نصيحة وموعظة، فهو اشتباه كبير لأنّ مقام الإمامة والعصمة الشامخ لا يتنافى إطلاقاً مع التأكيد على المسائل الأخلاقية المهمّة، ولهذا نرى أنّ الإمام عليّ عليه السلام وهو في فراش الوفاة يعظ أبناءه الإمام الحسن والحسين عليهما السلام ويقدّم لهما توصيات وتعاليم لم يكونا غافلين عنها.
وكذلك ما ذكره البعض من أنّ الإمام الحسن عليه السلام في زمان صدور هذه الوصية كان قد بلغ من العمر أكثر من ثلاثين سنة وهو لا يتناسب مع ما ورد في هذه الوصية من عبارة: «وأمّا قلب الشابّ يتقبّل جميع التعاليم والإرشادات» وهذا خطأ أيضاً لأنّ الإنسان في سنّ الثلاثين عاماً لايزال شاباً، أضف إلى ذلك أنّ المخاطب لهذه الوصية جميع أفراد البشر بوصفهم أبناء الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام.
وقد ورد في كتاب الإمامة والسياسة في قصّة السقيفة أنّ أباعبيدة الجراح عندما أراد إبعاد الإمام عليّ عليه السلام عن تولّي لخلافة قال: «يَابْنَ عَمّ إنّك حَديثُ السِّنّ وَهؤُلاءِ مَشيخَةُ قَوْمِكَ» [١]، ونعلم أنّ الإمام عليه السلام كان عمره في ذلك الوقت أكثر من ثلاثين عاماً.
[١]. الإمامة والسياسة، ج ١، ص ٢٩.